الجمعة , 24 مارس 2017
أهمية .. “البلادة” .. في البحث العلمي !

أهمية .. “البلادة” .. في البحث العلمي !

dreamstime_4373351

اثارة العنوان ليست من عندي ! بل هي ترجمة “أمينة” – إن شئتم – لعنوان مقالة بحثية قصيرة The importance of stupidity in scientific research ، ولقد اثارني عنوان المقالة أنا أيضاً ، مع الاشارة الى أن ترجمة مفردة Stupidity تعني من ضمن ما تعنيه ( الغباء ، البلاهة ، الرعونة ، الحماقة ، الجهل ) .و زاد الاثارة بلة أني وجدت موقعا رائدا مثل Faculty of 1000 Biology يشير الى اهمية قراءة هذه المقالة ويضعها تحت تصنيف المقالات التي يجب قرائتها Must read article ، ويشير احد المحكمين – بكسر الكاف وتشديدها – الى اهمية قراءة هذه المقالة البحثية الذكية جداً عن قيمة ان تكون “بليداً” The value of being stupid حسب تعبيرها ! وتستطرد في القول ان هذه المقالة تعكس ما هو حاصل بوضوح في الحياة داخل مختبرات الابحاث بل وتهيأ الباحثين الجدد لما يمكن أن يواجههم في هذه الحياة ، كما انها تعطي شيئاً من الراحة للباحثين القدامى لانهم يشعرون بعد قرائتها انهم ليسوا وحدهم في شعورهم المتكرر بالبلادة أو الغباء !

ومنطق هذه المقالة البحثية يدور حول وصف الحالة التي يجد فيها الباحث نفسه بعد جهد مستمر وبحث مضني يستغرقه للاجابة على اسئلة علمية مهمة أو معضلة بحثية خاصة ! اذ يشعر في احايين عديدة انه لم يعد قادرا على ايجاد اجابة صحيحة لهذه الاسئلة او ايجاد حل لتلك المعضلة وهذا يقوده في النهاية الى لحظة زمنية يشعر فيها بشيء من البلادة وقليل من الغباء مع مشاعر اخرى مختلطة ! من مثل اليأس والاحباط ، ويقول محكم اخر ان الفكرة الرئيسية لهذه المقالة البحثية القصيرة جدا والذكية جدا – على حد تعبيره – تدور حول الجزء المثير من العلم والبحث العلمي عندما يكون ظهور اكتشاف علمي ما قريباً جداً ! اذ ان تلك اللحظات قد يغمرها شيء من الشعور “بالغباء” والتساؤل البديهي ربما : كيف لم اتنبه لهذا مبكراً ؟؟ ويقول ايضاً انه لو لم تشعر بشعور مماثل فهذا يعني انك لم تعمل بجد واجتهاد كافيين !

ولان هذين المحكمين – بكسر الكاف وتشديدها – أوصيا بشدة بقراءة هذه المقالة القصيرة المنشورة في مجلة Journal of cell science وجدت انه من المناسب ان اترجمها لكم بتصرف يسير :

يقول مؤلف المقالة Martin A. Schwartz وهو بالمناسبة باحث في قسم علم الجراثيم بجامعة فيرجينيا الامريكية :

(قابلت مؤخراً زميلة دراسة من ايام الدكتوراة بعد انقطاع طويل ، حيث كنا طلبة ندرس الدكتوراة في نفس الوقت لكنها لم تستمر طويلا في برنامج الدكتوراة حيث تركته والتحقت بمدرسة القانون بهارفرد لتصبح من كبار المحامين في منظمة متخصصة في البيئة ! وخلال لقائنا القصير قاد مسار الحديث لسؤالها عن السبب الذي دعاها للتخلي عن برنامج الدكتوراة ؟ ويا لدهشتي ! أتى جوابها مفاجئاً حين ردت بالقول: انها فعلت ذلك لان برنامج الدكتوراة كان يشعرها بالغباء !! وبعد سنتين من الشعور المستمر بالبلادة والغباء في نهاية كل يوم كانت مهيأة نفسياً لعمل شيء مختلف ! وهذا ما دعاها للتحول الى دراسة القانون !!.

كنت افكر بهذه الزميلة دوما كأكثر من قابلتهم ذكاء وألمعية ولعل وظيفتها الحالية تدعم نظرتي هذه ، ولا اخفي ان اجابتها قد اربكتني ، اذ ظللت افكر فيها حتى صباح اليوم التالي لأصارح نفسي بالقول ان البحث العلمي والعلم عموما يقودني أيضاً في كثير من الاحيان للشعور بالغباء والتبلد !! كل ما هنالك اني قد اعتدت على هذا الشعور ! نعم اعتدت على الشعور بالغباء ! بل اني في الحقيقة ابحث باستمرار عن فرص جديدة تبقي الشعور بالبلادة او بالغباء حاضراً في النفس !! وبكل صدق اقول أني لا اعرف ماالذي كنت سوف افعله من دون هذا النوع من الشعور !! بل اني اظن ان الامر لا بد ان يكون كذلك مع كل من يعمل في مجال البحث العلمي تحديدا !! وحتى لا تاخذ منكم الدهشة مأخذها دعوني اشرح لكم ما اريد الوصول اليه …

في مرحلة الدراسة الثانوية والجامعية فإن الكثير منا أحب مادة العلوم بكل فروعها وخاصة الاحياء بسبب انا كنا جيدين في تحصيل علامات تلك المواد ، وليس هذا بالطبع هو السبب الوحيد بل ان الانبهار بطريقة تفسير العلوم للظواهر المختلفة من حولنا كان لها تأثير في حبنا وشغفنا بمعرفة المزيد . لكن الدراسة في المرحلة الثانوية وكذلك في المرحلة الجامعية تعني التسجيل في مقررات تلك المواد ودراستها والتحصيل الجيد في هذه المقررات يساوي معرفة الاجابات الصحيحة في اختبارات تلك المواد ، فلو كنت ملما بالاجابات الصحيحة للأسئلة التي تواجهك في اختبارات تلك المواد فإنك ستبلي بلاءً حسناً وسوف تشعر حينها بذكائك ونباهتك!

برنامج الدكتوراة PhD الذي يعني انه عليك اجراء مشروع بحثي للحصول على الدرجة هو امر مختلف تماماً ، ومن جانبي فإنها كانت مهمة فيها من الرهبة وتثبيط الهمة الشيء الكثير !

كيف يمكن لي ان اصوغ اسئلة بحثية بطريقة علمية تقودني في النهاية لاكتشافات ذات قيمة معنوية ؟

ثم كيف يمكن بناء على هذه الاسئلة تصميم تجارب بحثية ملائمة تقودني للاجابة على هذه الاسئلة ؟

وكيف يمكن بعد ذلك ان افسر نتائج هذه التجارب بطريقة علمية مقنعة ؟

وهل باستطاعتي التنبؤ بالصعوبات المتوقعة والعقبات المحتملة والبحث عن طرق للالتفاف حولها او تحاشيها او التغلب عليها ومعالجتها لو حدثت ؟

مشروع الدكتوراة خاصتي – والحديث ما زال للمؤلف – كان فيه تداخلات بين تخصصات مختلفة وكنت كلما واجهت صعوبة من اية نوع بادرت بازعاج زملائي في نفس القسم والذين كانوا لحسن حظي خبراء في مجالات مختلفة كنت احتاجها ، ومازلت اتذكر ذلك اليوم الذي ذهبت فيه الى Henry Taube – الحائز على جائزة نوبل – طالبا منه الاستشارة في مشكلة كنت اواجهها في ذلك الحين ولكنه فاجأني بالقول انه لا يعلم كيف يمكن حلها !!، مع انها كانت في مجال تخصصه !! وكنت في ذلك الوقت في السنة الثالثة من برنامج الدكتوراة اشعر ان المخزون المعرفي لدى  Henry Taube اكبر من ذلك الموجود لدي بالف مرة ! وهذا كان يعني حينها انه ان لم يكن يعرف اجابة سؤالي فإنه لا يوجد شخص اخر يمكن ان يجيبني على هذا السؤال!!…. توقفت لحظتها عند حقيقة انه لن اجد شخصاً سوف يساعدني في حل هذه المشكلة لأدرك بعدها ان هذه هي طبيعة المشكلات البحثية وبما انها مشكلتي البحثية فان الامر يرجع الي وحدي ان توفرت لدي الرغبة في حلها والمقدرة على المضي قدما والتغلب على مثل هذه المشكلة !! وبمجرد ان ادركت ذلك استطعت حل المشكلة خلال ايام قلائل ! كل ما كان علي أن أفعل هو أن أجرب حلولا أخرى لا غير ! ومع حل المشكلة فقد تعلمت درسا محوريا في حياتي العلمية ان مجال الامور التي لا اعرف عنها شيئاً ليس هائلاَ ! – والحديث ما زال للمؤلف ، لأن هذه الجزئية ليست مما أتفق معه فيها – وأن الفشل ليس حالة مطلقة لا يمكن الفكاك منها بمجرد وقوعنا فيها ! اذ لو كان الامر كذلك لكان منتهى طموح أحدنا هو تجنب الفشل قدر الامكان ! وليس البحث عن النجاح !.

ربما يمكن القول أن برامج الدكتوراة لها جانبان سيئان لا يتم التنبه لهما من بداية مرحلة الدكتوراة الا وهما:

1) أن طالب الدكتوراة لا يتم تهيئته عموما بما يجعله يضع في حسبانه ان إجراء بحث علمي ما، هو امر صعب ! واصعب منه بمراحل أن تقوم بإجراء بحث علمي ذو موضوع مهم وحيوي ! بل إنه أصعب حتى من دراسة المقررات الدراسية الصعبة ! وصعوبة البحث العلمي تكمن تحديداً في أنه – إن صح التعبير – مغمور بالكامل في عالم من المجاهيل ! في أحيان كثيرة لا يدري الباحث تحديداً ماذا يعمل ؟ ولا يستطيع في أحايين أخرى أن يعرف ما إذا كان يسأل السؤال الصحيح أو أنه يقوم بالفعل بإجراء التجربة الصحيحة حتى تأتيه اجابة السؤال او نتيجة التجربة ، فيدرك حينها الصواب او الخطأ فيما كان يعمله ! وبكل تجرد فإن بيئة البحث العلمي هي بيئة اكثر صعوبة بسبب زيادة التنافس على مستويين: الحصول على المنح البحثية المختلفة والنشر في المجلات العلمية الرائدة. ويمكن القول أن الصعوبة التي تكمن في بيئة البحث العلمي هي صعوبة ذات منشأ ذاتي لا يبدو أنها ربما تزول حتى لو تغيرت السياسات البحثية على مستوى الاقسام العلمية  او المؤسسات البحثية أو حتى على المستوى الوطني لأية دولة تهتم بالبحث العلمي.

2) الجانب الاخر السيء والذي لا يتم التنبه له هو نحن ! والمقصود هنا الاساتذة المشرفين ، اذ اننا لا نبذل الجهد المطلوب في تعليم طلبتنا كيف يمكن أن تكون “البلادة ” ذات طبيعة ايجابية منتجة ! بمعنى أنه إن لم يشعر الباحث بلحظات “البلادة” هذه فإن هذا يعني أنه في الحقيقة لم يبذل وسعه في المحاولات ! وليس معنى المقصود للبلادة هنا هو ذاك الشعور الذي يخالج المرء عندما يرى أحد أقرانه يقرأ ويفهم وينجح في اختبار مادة ما، في حين أنه لم يستطع أن يقوم بالمثل ! لأن “البلادة” هنا ذات طبيعة نسبية ! في حين أن ما يواجه الباحثين هو نوع من “البلادة” المطلقة ! التي ترتبط بطبيعة البيئة والظروف المحيطة بالبحث العلمي ! وتظهر ملامحها على إجابة يترقبها الاستاذ الممتحن لطالب الدكتوراة عندما يدفعه دفعاَ في العديد من الأحيان للاجابة بصورة خاطئة أو يدفعه للاجابة الشهيرة ( لا أعلم …!). حيث أن هدف مثل هذه المناقشة ليس قياس قدرة الطالب على الاجابة على كل الأسئلة التي تطرح عليه ! لأنه لو فعل فهذا يعني أن اللجنة التي قامت بامتحانه هي التي فشلت !! – مرة أخرى أشعر أن المعنى الاخير فيه تعسف ! – لكن معنى مناقشة رسالة الدكتوراة هو إظهار معنى أن لطالب الدكتوراة كثيرا من نواحي الضعف وجوانب القصور التي ينبغي أن ينتبه إليها ويطور من موهبته البحثية بمساعدة أساتذته.

البلادة المنتجة أو الايجابية تعني أن تكون بليداً أو ربما جاهلاً ولكن باختيارك ! وقد يكون من مظاهر الجمال في البحث العلمي أنه ربما يقودك في طريق خاطئ بل ويزين لك الاستمرار في الخطأ مرة تلو أخرى ! بشرط أنه في كل مرة تقترف فيها خطأ بحثيا تتعلم في مقابله شيئاً جديداَ مما يجعلك تشعر بالارتياح في نهاية المطاف. وما من شك فإن هذا الوضع صعب جداً على من تعود أن يجيب على أسئلة اختبارات المقررات بصورة صحيحة ! لكن البحث العلمي ليس مجرد اختبارات لمقررات ! بل هو أعقد من ذلك بكثير .

وفي نهاية المطاف فإنه مامن شك أنه لا بد من مستوى مقبول من الثقة في النفس للتغلب على حالات البلادة او الغباء التي تمر بالباحث خلال مسيرته البحثية ، لكننا نستطيع القول أنه كلما تقبل الباحث حالات البلادة او الغباء البحثي التي تمر به خلال مسيرته البحثية ، كلما اجتاز الصعوبات البحثية التي تواجهه وكلما قاده ذلك الى اكتشافات بحثية مهمة ) انتهى كلامه

زادني الله وإياكم فهماً وعلماً وجعله في موازين الحسنات ، ودمتم بخير

محمد

  • كوثر

    موضوع غاية في الروعة، لامس إلى حد كبير شعوري الحالي تجاه أطروحة بحثي وأنا الآن في سنتي الثانية لم أعد أشعر بجدوى أطروحتي. حقا أشعر أنني في مأزف ولا زلت أبحث عن مخرج له

    دمت بخير

  • Ba7ith

    الاخت كوثر
    شكرا جزيلا على مرورك وتعليقك
    وإن كان لي من نصيحة في هذا الاطار للخروج من هذا الشعور
    فهو الحصول على اجازة قصيرة لا تزيد عن اسبوع تخصصين اولها للاسترخاء بعيدا عن البحث العلمي ومن ثم تكثفين القراءة ليس في موضوع الاطروحة المباشرة بل في امتدادته القريبة لان المخرج سوف يكون هناك ان لم يخب ظني

    وفقك الله

  • كوثر

    شكرا جزيلا على النصيحة القيمة،
    نعم فمن خلال قرءتي للتقارير البحثية ذات الصلة المباشرة لاحظت أن التكرار والتشابه هو السيد الموقف الشيء الذي أعطاني الشعور أنني أدور في حلقة مفرغة, وقد بدأت فعلا أفتح عيني في الفروع الممتدة عل الله يفتح بصيرتي فهو المستعان في الأول والأخير.
    أخيرا اسمح لي أن أشكرك على المدونة الرائعة التصميم والمحتوى، وصلت إليها صدفة البارحة وهي الآن في مفضلتي

    تحياتي

  • Ba7ith

    اذا
    نبتهل الى الله ان يكثر “الصدف” الجميلة حتى في مجال موضوع اطروحتك
    🙂
    وفقك الله

  • ريحان

    شكرا على المدونة الرائعة والكلمات المنتقاة بحرفية…ريحان..

  • ريحان … شكرا على اطلالة الريحان.. أسأل الله أن ينفع بالجميع

  • mawaheb

    معجبة جدا بكل مافي هذه المدونة العظيمة , هنا مكان واسع للإلهام , زادك الله علماَ

    لطفاَ : هل بالإمكان تغيير لون الخلفية ؟ مجهدٌ للعين بعض الشيء

  • هذا موضع اهتمامي الحالي ، سوف اغير الخلفية الى اخرى فاتحة بعض الشيء ، شكرا على المرور والاطراء ، ونفع الله بالجميع