السبت , 23 سبتمبر 2017
ويروغ منك… كما يروغ الثعلب !

ويروغ منك… كما يروغ الثعلب !

“الروغان” ! أظنها تحريف حجازي “للمراوغة” ، على وزن “الفلتان” و “طفشان” و “هيلمان” و “قرفان” وغيرها ….
والفعل من الروغان ! راغ يروغ روغاً وروغاناً ومراوغةً فهو مراوغ ! نعوذ بالله من المراوغين !

ومنه قول الشاعر :
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ## ويروغ منك كما يروغ الثعلب !.
وما أكثر الثعالب هذه الايام ! ناهيك عن روغانها ! فلا يكفي كونها ثعالب حتى تزيد الطين بلة بالروغان ! ويعجبني في هذا الاطار قول الشاعر يصف حال الأسود مع الثعالب بقوله :
وفي العرينة ريح ليس يقربها ##بنو الثعالب ! غاب الأُسْد أم حضروا !
“يخوف الاسد حتى وهو بره البيت” 🙂
( الأسد بضم الالف وتسكين السين ، جمع أسد ) …… أعانكم الله على تدوينة بدأتها باستطراد …. نعود “للروغان” الجرثومي

أتحدث هنا عن مستوى مختلف من الروغان تمارسه هذه الكائنات الحية التي تحيط بنا من كل جهة والمسماة بالجراثيم !

وكثير من هذه الجراثيم يستطيع مرواغتك والتلاعب بدفاعاتك المناعية وأنت “يا غافل لك الله”، ويعتبر الطفيل وحيد الخلية المعروف علميا بـ Giardia lamblia من أهم “المراوغين الجرثوميين” وهو يقوم فعلاً بتسخير مادته الوراثية للتلاعب بالجهاز المناعي البشري والتفنن في مرواغته فيقوم فجأة بالتوقف عن انتاج بروتين ما يتكون على سطح الطفيل ويبادر في انتاج بروتين سطحي اخر ! من أجل أن يتلون ويتخفى بأسلوب يبقى معه “تلون الحرباء” شيئاً تافهاً !
هذا الطفيل هو المسبب الاول اذا استثنينا الجراثيم البكتيرية لأعراض الاسهال في شمال امريكا مثلاً، وهو يلجأ الى هذه الاساليب في مراوغة الجهاز المناعي لإطالة أمد اصابته للانسان وجعلها اصابة مزمنة قدر الامكان. هذه الاساليب في المراوغة اغرت حتى بعض الباحثين العالميين في التخصص في دراسة اساليب هذا الطفيل في المرواغة!

ومن عجائب خلق الله أن العديد من الطفيليات الاخرى مثل طفيل الملاريا تتبع نفس الطريقة للتلاعب بالجهاز المناعي البشري ، وتملك هذه النوعية من الجراثيم الطفيلية ذخيرة من الجينات الوراثية تترواح مابين 50 الى 300 جين وراثي مسؤول عن انتاج هذا النوع من البروتينات السطحية العديدة بحيث يعمل واحد فقط من هذه الجينات على انتاج احد هذه البروتينات في وقت معين ومن ثم يتم ايقاف انتاج هذا البروتين فجأة ! ويبدأ تشغيل جين اخر لانتاج بروتين سطحي اخر وهكذا !
هذا الوضع مربك جدا للجهاز المناعي البشري لان آليات التعرف المناعية تعتمد بصورة كبيرة على تمييز البروتينات السطحية للجراثيم المهاجمة ، لذا فكلما كانت التغيرات التي تحدث لهذه البروتينات السطحية كثيرة كلما زادت صعوبة تعرف الجهاز المناعي عليها وبالتالي مقاومتها والتخلص منها !

متى يحدث هذا ؟

من الواضح حسبما سبق أنه يحدث عندما تصيب إحدى هذه الطفيليات جسم الانسان، وتصبح في مواجهة مباشرة مع جبروت الجهاز المناعي البشري، لأنه ببساطة لا شيء يدعوها “للروغان” طالما ظلت بعيدة عن الجهاز المناعي في الخارج !
هنا يأتي تفرد طفيل Giardi lamblia لأنه يقوم بعملية التبديل بين بروتيناته السطحية التي تتجاوز 190 نوعاً ! حتى وهو خارج جسم الانسان ! بدون أن يكون لهذا التبديل سبب ظاهر ! ولا يعرف الباحثون حتى الوقت الحاضر لماذا يقوم هذا الطفيل بعملية الروغان حتى وهو خارج جسم العائل المستضيف (الانسان في هذه الحالة)! وكان السؤال لماذا يحدث هذا مع هذا الطفيل تحديداً ؟ وإجابته ما زالت قيد البحث والدراسة لكن يبدو أن للأمر علاقة بمهمة أخرى تؤديها هذه البروتينات غير مرواغة الجهاز المناعي ، ألا وهي مهمة الالتصاق بالاسطح المختلفة أو بخلايا العائل قبل الدخول في مواجهة شرسة مع الجهاز المناعي البشري.
وللقيام بعملية التبديل بين هذه الجينات السطحية بكفاءة يستخدم طفيل Giardi lamblia نظامتدخل وراثي” فعال يسمى RNA interference – RNAi ، بعد تنشيطه انزيمياً، يعمل هذا النظام عن طريق جزيئات وراثية صغيرة من الحامض النووي RNA على اختيار أي الجينات سوف يكون مسموحاً له بالعمل وانتاج بروتين سطحي معين وإلى أي مدى ستكون درجة نشاطه، هذا النظام شديد التعقيد ويكفي مشاهدة مقطع فيديو يؤيد ما ذهبت اليه، وهذه اربعة مقاطع أخرى 1,2,3,4 ربما تساهم في تبسيط الفكرة العلمية!،  ومع كل هذا التعقيد يأتي من عميت بصيرته من علماء الغرب ليقول أن كل هذا التعقيد هو نتاج القدرة الذاتية التي تمتلكها هذه الكائنات للتطور وأنه لا يوجد أثر للخلق ودقة صنعته هنا  ! ولا يملك المؤمن إلا أن يوقن بعظمة الخالق سبحانه وتعالى ويردد قوله عز من فائل (الذي أجسن كل شيء خلقه) سبحانه تقدست أسمائه.

بالمناسبة مكتشفا نظام التدخل الوراثي هذا حازا سويةً على جائزة نوبل في الطب سنة 2006 ،وختاماً فإن هذه التدوينة كانت تلخيصاً لما ورد على هذا الرابــــــط الذي يتناول دراسة علمية قام بها فريق بحثي من الارجنتين هذه المرة يقودهم الدكتور Hugo D. Luján ، والفريق ينتمي لأقدم جامعات الارجنتين، الجامعة الكاثوليكية في مدينة قرطبة ! الارجنتينية! وأطلق المستعمر الاسباني اسم “قرطبة” على هذه المدينة تيمناً بقرطبة الاندلس المفقود! على ذمة ويكيبيديا
هل أوحى لكم اسم المدينة بشيء ؟
أما أنا فتذكرت حاضرة العلم، قرطبة الاسلام أيام مجدها ، وتذكرت معها قول الشاعر:
وأصبح لا يُرى بالركب قومي ## وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر ### سؤال الدهر أين المسلمونا ؟

ولا يفوتني الاشارة الى ان هذه الدراسة وجدت طريقها للنشر في درة الدوريات البحثية العلمية Nature وهي تستحق ذلك فعلاً ، ولا أخفي انها دراسة معقدة ليس من السهل تبسيط كل جوانبها في تدوينة واحدة، وللاطلاع فسوف تجدونها مجانية بصيغة pdf على هذا الـــــرابـــــــط

ودمتم جميعا بخير

Source of images: top to bottom
1st:Nature
2nd: wikipedia
3rd: HHMI

  • Obatouk

    What amazing ?!
    I like your article Abo Abdullah, may allah bless you

  • my beloved borther Abu Ali
    Thanks for commenting and Allah bless you too and Ramadan Mubarak

  • Alswidi

    ما يبهرني فيك نزعتك البحثية وفيها شئ من اللطائف الأدبية والكتابة النثرية، مثل هذه المقالات يمكن أن ترسلها لمجلة أهلا وسهلا التي توزع بطائرات الخطوط السعودية أو غيرها من المجلات والصحف السعودية.
    كنت قد تكلمت معك من قبل أنك مبدع وتستحق أن تكون لك قدم في الساحات العلمية والفكرية والادبية كذلك.. وانت جدير بها
    رمضان مبارك وكل عام وانتم بخير

  • أستاذي واخي العزيز أبو مصعب
    رمضان مبارك ، أعادنا الله وإياك على أمثاله وأعاننا وإياك على صيامه وقيامه.
    تعقيبا على لطيف تعليقك أقول : أنه تستهويني في هذا الإطار قصيدة الجرجاني التي منها هذان البيتان:

    وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كانَ  كُلَّمَا *** بَدَا   طَمَعٌ   صَيَّرْتُهُ   لِيَ   سُلَّمَا
    إذا قِيلَ : هذا مَنْهَلٌ  قُلْتُ  قَدْ  أَرَى *** وَلكِنَّ  نَفْسَ  الحُرِّ  تَحْتَمِلُ  الظَّمَا

    ويبقى مرور الايام حكماً على المواقف والمبادئ!