الإثنين , 29 مايو 2017

جينات الايثار.. وجينات الانانية ..!

لا تكاد المؤتمرات العلمية والدوريات البحثية تخلو من العودة المستمرة للحديث عن نظرية النشوء والتطور التي يؤمن بها كثير من المنتسبين الى الوسط العلمي في الدول المتقدمة وتزخر بها الكثير من المناقشات والتفسيرات العلمية للكثير من الظواهر المشاهدة من حولنا ، ولديهم العديد من الاسئلة المنطقية ذات الصبغة العلمية – ان صح التعبير- التي يثيرونها من اجل اثبات صحة النظرية او على الارحج من اجل التهرب من حقيقة روعة الخلق وعظمة الخالق سبحانه وتعالى “الذي احسن كل شيء خلقه”.
هذه الاسئلة المثارة وتلك التبريرات المطروحة تجد لها هوىً عند من يقدم العقل على كل ما عداه ، بل وربما يبلغ بالعقل البشري حد التقديس ! لكنها لا تمر بسهولة عند من يعي حقاً ويؤمن صدقاً بمحدودية العقل البشري مهما بلغ شأو التقدم العلمي الذي ينتجه هذا العقل لان العقل الواعي يدرك ان الخالق العظيم جل وعلا هو الاعلم بما خلق والاقدر على توصيف قدراته ومعرفة امكاناته ، ” الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير” ويدرك العقل المستنير بنور الايمان انه “وما اوتيتم من العلم الا قليلا”، وان من فضل الله تعالى على العقل المسلم ان عرفه مواطن الابداع وجنبه مواطن السقطات والتمرد. هذا في ظني اساس متين للنظر في الظواهر العلمية من وجهة نظر العقل المسلم حتى اذا اختلطت عند الاخرين المقاييس واضطربت لديهم المعايير وجدتها ثابتة راسخة مطمئنة عند الباحث المسلم ينظر اليها بنور الله الذي اعطاه النظر الواعي وخوله الحس المتزن، فلا تجد لديه شماعة “التطور” يعلق عليها عجز العقل ومحدودية القدرة البشرية بل انه يسلم للخالق بعظيم الصنعة ودقة الخلق.
كانت هذه مقدمة لا بد منها بين يدي هذه التدوينة اذ ان فريقا من الباحثين المؤيدين لنظرية التطور يتحدثون اليوم عن شيء يسمونه الايثار الجيني تارة والانانية الجينية تارة اخرى وفيه يشيرون الى ظاهرة توجد جلية واضحة في بعض الكائنات الحية بسيطة التركيب التي تقوم بتقديم مساعدة على المستوى الوراثي لكائنات اخرى تجمعها بها صلة قرابة.
ويبدو ان هذه الظاهرة استهوتهم لانها كما يقولون تعزز نظرية التطور اذ ان تراكم هذه المساعدات الوراثية على المدى الزمني قاد – كما يزعمون –  الى تطور الكائنات البسيطة الى كائنات اكثر تعقيداً مما ادى في النهاية الى ظهور كائنات اكثر تعقيدا وتطورا كالانسان مثلاً !! ويمكن في ذات الوقت اعتبار جانب الانانية الجينية هنا ! حيث يمكن وصف ما يحدث على المستوى الجيني بأنه عبارة عن سباق محموم للاستفادة من الموارد المتاحة من دون وضع اية اعتبارات للاخرين في صراع طويل من اجل البقاء لا يثبت فيه الا القوي او الغشاش في بعض الاحيان !
يقول احد هؤلاء الباحثين انه ادرك مبكرا ان دراسة ظاهرة جينات الايثار او الانانية في كائن حي معقد كالانسان يعد امراً مستحيلاً لكنه طرح فكرة بديلة بالعودة الى الجذور كما يقول ودراسة هذه الظاهرة في كائنات حية بسيطة مثل كائنات الاميبا مثلاً وبالذات تلك المسماة خطأ بالفطر الغروي Dictyostelium discoideum. هذا الكائن الحي يعيش في صورة خلية وحيدة طالما الغذاء متوفر حوله ، وبمجرد تغير الظروف المحيطة ونقص الغذاء في البيئة حوله تتداعى عشرات الالاف من هذه الخلايا الوحيدة لتكون كائن حي متعدد الخلايا ! يظهر على شكل كتلة غروية لزجة تتحرك سوية باتجاه الضوء والحرارة وويتحور شكلها لتشبه العود الذي يحمل قطعة الحلوى في طرفه. ولكي يحدث هذا تقوم ما نسبته 20 في المائة من الخلايا الوحيدة بالتضحية بحياتها حتى تتكون الساق الخلوية التي تحمل في طرفها جسما ثمريا يحمل الكثير من الحويصلات التي تقاوم الجفاف والجوع ! وهذا هو الايثار الجيني ببساطة ، اذ يُعتقد ان هذا الكائن يملك جينات وراثية تستجيب للظروف المحيطة بتفعيل هذا النوع من الايثار والتضحية بحياة خلايا وحيدة لمصلحة المجموع ومحافظة على النوع. لكن زاوية النظر الاخرى للموضوع تشير الى انانية او صراع من اجل البقاء او ربما فردية طاغية حيث يمكن تفسير ما يحدث على انه سباق محموم بين هذه الخلايا الوحيدة حتى لا تكون احداها من نسبة 20% الخاسرين، فمن ينجح من هذه الخلايا اولا للوصول الى القمة يرسل اشارات جينية للاخرين مفادها ان ابحثوا عن غيري لاني قد فزت في السباق واستطعت الوصول الى قمة الجسم الثمري المطلوبة والتي تتركز فيها الخلايا المقاومة للظروف المختلفة وبذا تتركز الخلايا الميتة في ساق الجسم الثمري وهي من زاوية النظر الاخيرة خلايا خاسرة بعد ان اظهرتها زاوية النظر الاولى بانها خلايا تؤثر الاخرين على نفسها !
ويطرح هذا الباحث مقارنة بين هذه الكائن والانسان بالقول ان هذه الظاهرة لا تحدث الا في حالة الازمات من جوع وجفاف وخلافه ، لكن هذا الكائن يعود الى حالته الاصلية في الظروف الطبيعية ، وهذا ما دعاه للتساؤل عما اذا كانت النزعة للعيش على انفراد ما تزال خاصية وراثية كامنة لدى كل خلية من خلايا الكائنات المعقدة كالانسان مثلاً !! لكن هذه الكائنات وفرت الية لكبح جماح هذه النزعة الفردية لدى خلاياها بتوفير اجهزة متخصصة مثل الجهاز المناعي مثلا ، لكن يحدث ان تفلت واحدة من هذه الخلايا من “العقال” المناعي وتعود الى النزعة الفردية للعيش منفردة وهذا يفسر ربما ظهور او خلية سرطانية متمردة في جسم الانسان ! وهذا تفسير ممتع وجذاب علمياً لشرح لماذا تجنح بعض الخلايا للتحول الى الشكل السرطاني.
هذا الكائن الحي البسيط جذب انظار الباحثين اليه لاستخدامه كنموذج بحثي لدراسة مثل هذه الظواهر عن طريق احداث الكثير من الطفرات الوراثية باستخدام المطفرات الكيميائية مع انه لم يكن نموذجاً بحثياً سهل الانقياد في بداية التسعينات الميلادية لانه كان من المستحيل حينها على الرغم من امكانية احداث الطفرات ان يتم استنساخ الجينات المطفرة – بفتح الفاء – لكنه اصبح الان نموذجا بحثيا جذابا لدراسة الكثير من المظاهر التي تحدث على المستوى الجينيي ويمكن الاستفادة منها لتفسير ما يحدث في كائنات حية ارقى واكثر تعقيدا مثل الانسان، ويشير الباحث الذي لخصت بعضا من توجهاته البحثية هنا الى افكار تجارب بحثية بسيطة وجميلة يمكن الاستفادة منها وتطويرها لمشاريع بحثية مماثلة لذلك انصح بقراءة المقال اكثر من مرة في لغته الاصلية، ولقد نشر هذا الباحث بعضا من هذه البحوث في دورية Nature الشهيرة وهو بالمناسبة يهودي !! ويسرد على هذا الرابط رحلة بحثية ممتعة لمن يهمه امر البحث العلمي في هذا المجال البكر والذي من الممكن ان يستفيد منه الباحثون المسلمون لو طرقوه من باب ان مثل هذه الكائنات مسخرة للانسان مصداقاً لقول الله تيارك وتعالى “‏وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه‏” فدراسات مثل هذا الكائنات قد تحل بعضا من الغاز الامراض او الافات التي تصيب الانسان او ربما قد تفيد في محاربة عالم هائل من الجراثيم الممرضة المتربصة بالانسان وهي قد تكون من المفاتيح المبثوثة في الارض والتي ينطبق عليها قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى ” ما انزل الله من داء الا وانزل معه دواء ، علمه من علمه وجهله من جهله”
وفي الختام دمتم جميعا بخير