السبت , 19 أغسطس 2017
لقاح ضد السرطان … لكنه يعمل !!

لقاح ضد السرطان … لكنه يعمل !!

cancerimplant_x600هذه التدوينة تكتسب أهميتها من وجهة نظري المتواضعة كونها تعطي مثالاً واقعياً للتفكير “خارج الصندوق” وبـطريقة اقـل ما يقال عنها انها استثنائية فضلا ان تكون من الافكار غير المتوقعة ان صح التعبير !

و قد يبدو العنوان غريباً بعض الشيء ! إذ أنه يفترض في “اللقاحات” أن لا تُسمى كذلك الا بعد أن يتم اختبار قدرتها على العمل وفاعليتها في القضاء على الاورام السرطانية ! … وإلا لكان من الاولى أن تُسمى شيئاً آخر غير “اللقاح” !

المشكلة في العديد من اللقاحات التقليدية المضادة للاورام السرطانية انها غير فعالة بدرجة كافية، لذلك فإن وجود لقاح يعطي نتائجاً أولية مشجعة يُعد انجازا أو مكسباً مهماً على صعيد البحث العلمي،  ولتبسيط الاساس العلمي للفكرة، اشير هنا الى ان الجهاز المناعي البشري يعمل مبدئياً بآلية التعرف على الاجسام الغريبة بما فيها الجراثيم التي تهاجم الجسم ومن ثم يقوم الجهاز المناعي بهجومه المضاد للتخلص من هذه الجراثيم والاجسام الغريبة عنه ! هذا الامر يوفر منذ اللحظات الاولى للمواجهة بين الطرفين، ميزة في صالح الخلايا السرطانية  – نظرياً – كونها ليست غريبة بالكامل عن طبيعة انسجة الجسم !

و تقوم الفكرة العلمية التقليدية في تصميم معظم اللقحات المضادة للاورام السرطانية على استخلاص الخلايا المناعية من جسم الانسان المصاب بالسرطان ومن ثم اعادة توجيهها أو تعديل “برمجتها” معملياً لتستطيع مهاجمة الخلايا السرطانية وفي نهاية المطاف تُحقن من جديد في جسم الانسان المصاب ! نظرياً هذه الطريقة لا غبار على امكانية نجاحها، لكن التطبيق العملي في كثير من التجارب المعملية يشير الى ان 90% من هذه الخلايا المناعية المعاد توجيهها تموت قبل ان يظهر لها اية اثر مفيد و نافع!

وهنا تأتي الأفكار غير المتوقعة! والتي تُظهر كيف يمكن ان يفكر الباحث بطريقة مختلفة متخلصاً من الاطار التقليدي للافكار السائدة في موضوع علمي ما، حيث قرر فريق بحثي برئاسة البروفيسور David Mooney أن ينحى منحىً آخر في تصميم فكرة اللقاح المضاد لسرطان الجلد كمثال ، فكانت الفرضية البحثية المطروحة من قبلهم هي: انه لماذا لا نقوم بتعليم وتوجيه الخلايا المناعية وهي لا تزال داخل الجسم بدلا من الطريقة التقليدية في اخراجها وتوجيهها معملياً ومن ثم ادخالها مرة اخرى ؟

فكانت دراسة هذا الفريق ذات فكرة بسيطة وغير متوقعة لكن تصميم التجارب البحثية كان مميزاً، ويدور موضوع الدراسة حول لقاح مضاد لسرطان الجلد تم اختباره على الفئران واظهرت النتائج ان هذا اللقاح قد تغلب على صعوبات اساسية طالما واجهت المشتغلين على اللقاحات المضادة للاورام السرطانية وقد نشرت نتائج هذه الدراسة في 25 نوفمبر الماضي 2010 في الدورية العلمية المميزة Science Translational Medicine

المثير في الدراسة ان الباحثين استخدموا “اسفنجة!” خاصة صغيرة قطرها يوازي قطر ممحاة قلم الرصاص ! و ذات قدرة مسامية مرتفعة جداً مما يسهل دخول الخلايا المناعية وخروجها من هذه الاسفنجة، ومن ثم غمسوها في مادة اللقاح وادخلوها بعد ذلك تحت جلد فئران التجارب المصابة بسرطان الجلد Melanoma، ويقول رئيس الفريق البحثي أن هذه الدراسة اشتملت على كيفية الاستفادة من هندسة المواد الحيوية Biomaterials engineering ومن المفاهيم المناعية لايجاد لقاح يقي من السرطان ، ويقدم طريقة تبدو سهلة واكثر فاعلية من اللقاحات التقليدية المضادة للاورام السرطانية.

الالية التي تنتهجها الخلايا السرطانية في التعامل مع الجهاز المناعي تعتبر احدى المعضلات الاساسية التي تواجه الباحثين المشتغلين في مجال اكتشاف لقاحات الامراض السرطانية، حيث ان المهمة التي على عاتقهم تقضي بأن يكتشفوا طريقة او مركباً ما، يحفز الجهاز المناعي على قتل الخلايا السرطانية خصوصاً عند استفحال المرض! فمع ان الجهاز المناعي يملك قدرة فائقة على مهاجمة الخلايا السرطانية في لحظات تكونها المبكرة جداً، لكنه ليس عموما بهذه الفاعلية عندما يتعلق الامر بالحالات المتقدمة من السرطان ! لان الاورام السرطانية الكبيرة تتخذ العديد من الطرق للتحايل على الجهاز المناعي بل والعمل على كبح جماح آلياته الدفاعية تجاه الخلايا السرطانية.

لكن ما فعله الباحثون في هذه الدراسة التي اجريت في مختبر The Mooney Lab في جامعة هارفارد انهم قاموا بحقن ثلاثة مركبات تشكل في مجموعها مركب اللقاح – موضوع الدراسة – في هذه الاسفنجة الصغيرة وشملت هذه المركبات الاول: مستخلصاً من الخلايا السرطانية الجلدية نفسها بالاضافة الى المركب الثاني: عبارة عن نوعين من الجزئيات المناعية الذائبة المعروفة بالسايتوكينات لها قدرة على اجتذاب نوع معين من الخلايا المناعية Dendritic Cell اليها ، وبدورها تقوم خلايا Dendritic Cell بتوجيه دفة الاستجابة المناعية بطريقة خلاقة حيث تقوم بسحب عينات من الخلايا السرطانية وتسليم “تقرير” عن وضعها في اقرب “محطة” غدة لمفاوية، وخلايا Dendritic Cell تعتبر بمثابة “دوريات تفتيش” تبرز هذه التقارير المناعية للخلايا المناعية الاخرى التي تقوم بمهاجمة الخلايا السرطانية والقضاء عليها!، لكن خلايا Dendritic Cell تقوم ايضا في مرحلة من المراحل بتثبيط الاستجابة المناعية بتحفيز من قبل الخلايا السرطانية! ، وهي طريقة خبيثة للخلايا السرطانية للتخلص من بطش الجهاز المناعي وذلك بأن تستخدم خلايا الجهاز المناعي نفسه لتثبيط الخلايا المناعية التي تؤدي مهمة مهاجمة الخلايا السرطانية والتخلص منها!

وحتى لا يحدث هذا عمد الباحثون في هذه الدراسة الى اضافة المركب الثالث: عبر ادخال اجزاء من حمض نووي شبيه جدا بالحمض النووي البكتيري (الحمض النووي هو المركب الذي يحمل المادة الوراثية للكائن الحي اياً كان نوع هذا الكائن) سعياً منهم “لافهام” او ربما “لتشويش” الجهاز المناعي على افتراض انه يواجه عدوى جرثومية بكتيرية مما يحفز الجهاز المناعي لمضاعفة اثره و زيادة استجابته المضادة بصورة تقود غالباً لعدم حدوث حالة تثبيط للاستجابة المناعية.

اظهرت النتائج ان استخدام هذا اللقاح ساعد في بقاء 90% من فئران التجارب على قيد الحياة لمدة اطول في حين ان هذا النوع من الاورام السرطانية يقتل فئران التجارب المصابة والتي لم تعالج بهذا اللقاح خلال 25 يوماً ، بل ان الخلايا السرطانية اختفت فيما يقارب نصف الفئران المصابة

ما يحتاجه هذا اللقاح المضاد لسرطان الجلد بدايةً ، هو عينة من الخلايا السرطانية للانسان المصاب Biopsy لتُغطى بها قطعة الاسفنجة ، وهذا يستدعي تصميم لقاح خاص لكل شخص مصاب وهذا يعني ارتفاع التكاليف لو كان المقصود استخدامه على مدى واسع من المصابين.

بقي أن أشير الى جانب اخر وليس أخيراً بكل تأكيد، زاد عندي من قيمة الدراسة وأهميتها بل واعتزازي الكبير بها، ألا وهو أن المؤلف الرئيسي لهDr Omar Aliا باحث عربي مسلم هو الدكتور عمر علي المتخصص في تخصص مميز ونادر ألا وهو هندسة المواد الحيوية Biomaterials engineering والحاصل على الدكتوراة من جامعة هارفارد ، وهو يعمل الان في أحد معاهدها البحثية الرائدة ومسماه المبهر “معهد ويس لهندسة الالهام الحيوية او الاحيائية” – ارجو اني وفقت في الترجمة للمسمى الانجليزي Wyss Institute for Biologically Inspired Engineering ، تأملوا فقط أثر مسمى هذا المعهد البحثي على نفوس العاملين فيه ! أحسب أنه أثر إيجابي.

وقفة مهمة هنا أبين فيها الفرق بين اللقاحات المستخدمة ضد الامراض المعدية وتلك المستخدمة ضد الاورام السرطانية ، وهو أن اللقاحات المضادة للاورام السرطانية علاجية Therapeutic وليست وقائية Preventive لانها تعمل على ايقاف تقدم الورم  بعد حدوثه وليس قبل ذلك! الاستثناء الوحيد ربما والموجود في السوق هو لقاح Gardasil من انتاج شركة Merck والمستخدم في الوقاية من الاورام السرطانية وخاصة سرطان عنق الرحم التي تحدث بسبب الاصابة بفيروسات human papillomavirus فيقوم اللقاح هنا بمشيئة الله تعالى بالوقاية من الاصابة بهذه الفيروسات والتي تسبب هذه الاورام السرطانية لكن نفس اللقاح لا يصبح من المفيد استخدامه متى ما اصيب الانسان بهذا النوع من السرطانات.

هذه الطريقة المبتكرة لتصميم هذا النوع من اللقاحات من الممكن نظرياً استخدامها لعلاج امراض جرثومية او ربما لعلاج امراض المناعة الذاتية مثل داء السكري من النوع الاول، ويبقى التحدي هو كيفية ابتكار مركبات متعددة يمكن ادخالها الى هذه الاسفنجة أو الى غيرها من المركبات المماثلة حتى تؤدي المطلوب منها بفاعلية كبيرة.

هذه التدوينة كتبتها بتصرف مستقيا المعلومات الواردة فيها من الروابط (1) ، (2) ، (3) ، (4) ، (5)

ودمتم جميعا بخير

Enhanced by Zemanta