السبت , 23 سبتمبر 2017

الارقام الجرثومية ! هل هي فلكية ؟

على الرغم من أن وزن الخلية الجرثومية الواحدة للبكتيريا أو غيرها من الجراثيم لا يمثل شيئاً يذكر إلا أن الكتلة الحيوية لكامل الأحياء الجرثومية الموجودة على الأرض هائلة بحيث انها تعتبر الأكبر مقارنة بغيرها من الكتل الحيوية للكائنات الحية الاخرى بما فيها الإنسان!!!. يكفي أن تعرف أن رقم الكتلة الحيوية الجرثومية Microbial Biomass هو من فئة الأرقام ما فوق الفلكية !! والتي يصعب حصر الاصفار فيها لكن الباحثين يشيرون إلى أن هذه الكتلة تساوي خمسة ملايين تريليون تريليون جرثومة !. الطريف أن عدد النجوم في الكون حسب تقدير الباحثين يساوي سبعة آلاف بليون بليون نجم وهو رقم ضئيل إذا قارناه بالرقم السابق! ولذا يصح أن توصف الأرقام الهائلة “بالجرثومية” عوضاً عن وصفها “بالفلكية” !


هذه الكتلة الحيوية الجرثومية الهائلة تتحكم في كل العمليات البيئية بدءا من تحلل النباتات الميتة وانتهاء بإنتاج الأكسجين. هذه الجراثيم موجودة في الغذاء الذي نأكله والماء الذي نشربه والهواء الذي نتنفسه، بل أن لتر واحد من ماء البحر يحوي ما يقارب بليون جرثومة بكتيرية!
وأكثر من هذا فإن الجراثيم تستوطن أجسامنا بشكل هائل حيث يزيد عدد الجراثيم التي تستوطن جسم الإنسان على عدد خلايا جسم الإنسان بعشرة أضعاف ! وفي معظم الوقت تساعدنا هذه الجراثيم أكثر من أن تسبب لنا أضراراً !! يحدث هذا لان هذه الجراثيم تتحكم في العديد من العمليات الحيوية المهمة لاستمرارنا أحياء مثل ما تفعله في المحافظة على الجلد البشري وصيانته والمساهمة في هضم الطعام.
لذلك يشير الباحثون إلى أن موت الأحياء الجرثومية يعني موت كل ما عداها من الأحياء بما فيهم الإنسان ! لكن موت جميع الكائنات الحية الأخرى لا يضير الأحياء الجرثومية في شيء !! لذا نحن في حاجة هذه الجراثيم أكثر من حاجتها لنا !
وعلى الرغم من الأهمية الظاهرة لهذه الأحياء الجرثومية إلا أن الباحثين لم يستطيعوا دراسة سوى واحد بالمائة فقط من الأحياء الجرثومية الموجودة على الأرض ! لماذا ؟؟
لان الاحتياجات الغذائية لكثير من هذه الجراثيم معقدة بحيث يصعب تنمية الكثير منها في البيئة المعملية. لذا فإن توفير مثل هذه الاحتياجات في البيئة المعملية هو احد أهم التحديات البحثية المستمرة للباحثين في مجالات العلوم الجرثومية. ومن هنا كان المشروع البحثي الذي أعلن عنه في دورية الطبيعة العالمية Nature في 12 مارس 2008 وسوف تموله National Science Foundation الأمريكية والهدف منه استكشاف القدرات الجرثومية غير المعروفة للإحياء الجرثومية في تسعة أنظمة بيئية Ecosystem مختلفة عن بعضها تماماً مثل بيئة الصخور المرجانية في البحار الدافئة وبيئة المناجم العميقة ! وعوضاً عن تعريف وتصنيف الأحياء الجرثومية في كل بيئة من البيئات التسعة سوف تلجأ الدراسة إلى التعرف على الجراثيم من خلال االكشف عن الأحماض النووية وعن الوظائف التي تقوم بها هذه الجراثيم وما الذي تستطيع عمله بدلا من الكشف عن هويتها الشخصية إن صح التعبير
هذا المشروع البحثي سوف يستخدم تقنية حديثة تعرف بتقنية Metagenomics تعتمد على تحليل المحتوى الوراثي لكامل الأحياء الجرثومية الموجودة في النظام البيئي بدلاً من القيام بذلك التحليل لنوع جرثومي محدد ، وبهذه الطريقة يستطيع الباحثون الالتفاف على العقبة التي وقفت في طريق ابحاثهم طويلاً والمتمثلة في عدم استطاعتهم تنمية الكثير من الأحياء الجرثومية في البيئة المعملية ، حيث لا يبقى هناك حاجة ماسة لتنمية هذه الأحياء الجرثومية طالما نستطيع التعرف على كل خصائصها من خلال مسح المحتوى الوراثي لها.

بقي ان اشير الى ان هذا الاتجاه البحثي يمكن ان يجمع متخصصين من حقول علمية مختلفة ، ويمكن في ظني المتواضع ان تكون المنطقة العربية من المناطق المغرية بحثياً في هذا الشأن اذ توجد الكثير من البيئات فريدة النوع بها والتي يمكن ان تحتوي على الكثير من “الفرص الاستثمارية … البحثية”.
ترجمته لكم بتصرف من هــنــا