الخميس , 19 يناير 2017
عشرة مبادئ للتحفيز … البحثي .. 2/2

عشرة مبادئ للتحفيز … البحثي .. 2/2

كما وعدت هذه تتمة ترجمة لمقالة علمية في مبادئ التحفير البحثي كنت قد أنهيت جزءها الأول في  تدوينة الاسبوع الماضي ، وهي مبادئ من حقها ان تتم قراءتها بتمعن، وان يتقبلها القراء الكرام بقبول حسن لمحتواها ومعانيها، وان تجد طريقها ايضا الى فئتين تحديداً :
الاولى الباحثين الشباب في دولنا العربية المسلمة لعلهم “ينشطون من عقال” ويعززون سبل التعاون فيما بينهم ويستعيدون ذلك الافق المعرفي والحس البحثي الذي كان لأسلافنا من علماء المسلمين حتى تنهض امتنا المسلمة من سباتها “العلمي” كما ينبغي ان تنهض من سباتها الطويل على أصعدة كثيرة.
والفئة الاخرى هم أصحاب القرار “البحثي” في دولنا العربية لعلهم ينتبهون قليلاً، ويستمعون كثيراً، لمن هم خارج دوائرهم الخاصة!
فهذا النوع من الاستماع مفيدٌ لو كان إستماعاً إيجابياً هدفه الصالح العام ونهضة المجتمع وتنشئة جيل محب للبحث العلمي، وليس هدفه تمضية الوقت وملء الفراغات والاستعراض الوهمي ليس إلا!
فإن حصل الاستماع الايجابي، حصل بحول الله ما ننشده من تغيير إيجابي تتبدل فيه القناعات المتراكمة التي عانت منها مؤسساتنا العلمية والبحثية في أوطاننا العربية والمسلمة.
وعلى أصحاب القرار ” البحثي” في مؤسساتنا العربية والاسلامية أن يُخلو الطريق قليلا، ويُفسِحُوه يسيراً، لجيل الباحثين الشباب الذين يعانون الويلات ويقاسون الصعوبات حتى يجدوا لهم موطئ قدم في احد هذه المؤسسات.
لأن التغيير كما يحلو لأحد الأحبة أن يصفه بالقول: أن “التغيير” هو الامر الوحيد “الثابت” في حياتنا بكل تفاصيلها!
والتغيير المنشود في الاطار البحثي هو ذاك الذي يبني ويرتقي ليس بأفراد معدودين في المنظومة البحثية بل إنه يفعل ذلك للبيئة البحثية كاملة بكل مكوناتها ويبدأ أول ما يبدأ بالانسان فيستثمر في : الطالب والمحاضر والفني والتقني والباحث والاستاذ الجامعي ثم يكمل البناء بكل تفاصيله!
وليس المقصود “بالتغيير البحثي” بناء المنشآت وتوفير التجهيزات فقط – على أهميتها – أو الاستغراق في الشكليات أو القفز على المراحل أو قطف ثمار “بحثية” صنعها آخرون لتجميل المظهر العام والهيكل الخارجي الذي يخفي تحته لا أقول خللاً بل تهالُكاً و سطحيةً و خُروقاً لا يمكن ترقيعها!
بحيث يكون إنكشاف المستور أمراً حتمياً مع مرور الوقت وتعاقب الايام لنكتشف حينها أن ضخامة المظاهر أسفرت عن ضآلة متناهية في الجوهر التي يختبئ وراءها! إن كان ثمة جوهر!

وبعد الاستطراد المعتاد أعود لتتمة المبادئ العشرة :

6) التزم بنقل المعرفة لاجيال اخرى من الباحثين الشباب

لابد لك من المشاركة في برامج الدراسات الجامعية والعليا لتدريب أجيال اخرى من الباحثين لأنها أفضل طريقة لبناء مجتمع علمي قوي ومتماسك وهي أيضا طريقة مثلى للتعرف على تلاميذ مميزين أو باحثين جيدين ينضمون إلى فريقك البحثي.

إختر المواضيع البحثية التي تود طرحها عليهم بعناية بحيث تناسب قدراتهم وكن واقعيا حيال ما يمكن لهم أن ينجزوه في هذا الخصوص، وساهم في تطوير قدراتهم المعرفية بالعمل على إرسالهم إلى الخارج لحضور دورات علمية أو تعلم تقنيات بحثية معينة، وفي الحقيقة فإن هناك برامج عالمية تخدم هذا الغرض في الدول ذوات الدخل المحدود.

حاول أن تكون حازماً مع تلاميذك وربما مع زملائك !! ولكن كن أيضاً كريماً معهم عندما يتعلق الأمر بالعلم ، والحزم هنا لا يعني الشدة المجردة من غاية مثلى وهدف أسمى، لكنه يعني بالضرورة أن تنقل لمن حولك معنى أن تكون جاداً أميناً متقناً في آداء ما يوكل اليك من عمل.
وهذا الشعور بأهمية الجدية والإتقان في العلم لا يكفي أن يكون شعوراً بل لا بد أن تنعكس آثاره على تصرفاتك كباحث، والأمر لدى المسلم مرتبط، بحمد الله وفضله وامتننانه، بحب الله! كيف لا، والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يقول (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً ، أن يتقنه).

حاول كذلك أن تشارك الاخرين ما تملكه من معرفة أو علم أو تجهيزات معملية أو تسهيلات بحثية كلما كان ذاك ممكناً، لا تتجاهل الاخرين وتركز على ذاتك وابحاثك الشخصية فقط، وأدرك أنك سوق تنجز بالتعاون مع الآخرين ما لن تنجزه بمفردك! وأنك سوف تختصر أوقاتاً كثيرة لو شاركت الآخرين آداء المهام البحثية.
واعلم أن محاولتك الإشادة بنجاح الاخرين ممن هم حولك هي طريقة تفيدك في نهاية المطاف عندما يحين الدور على نجاحاتك البحثية، عندها قد تجد من يرد الجميل ويشيد بما أنجزت.

7)  داوم على كتابة مقترحات المشاريع البحثية وانشر في المجلات العالمية

عدم النضوج العلمي أو عدم الجدية في البحث العلمي هو أمر شائع في الدول ذات الدخل المحدود أو تلك غير المتقدمة علمياً، وطريق العلم والبحث العلمي لا يجدي فيه أن تظل هاوياً!
لكنه عمل يستلزم التزاماً مستمراً ومهنية عالية. لذلك داوم على ممارسة كل مامن شأنه تطوير شخصيتك العلمية وتعزيز مهاراتك البحثية.
ومن أفضل الممارسات لتحقيق ذلك المحاولة المستمرة والدؤوبة في إعداد المقترحات البحثية و تعبئة النماذج الخاصة بالمنح البحثية المختلفة على المستوى المحلي أو الدولي. وهناك منظمات وهيئات عالمية توفر منحا بحثية وتدفع تكاليف السفر للباحثين من الدول ذوات الدخل المحدود مثل TWAS و IFS و EU و NIH .
ومع أن مثل هذا الدعم يظل محدوداً لكنه سوف يساعدك بالتأكيد في مسيرتك المهنية العلمية.
حاول كذلك أن تحصل على عضوية المؤسسات العلمية العالمية إذ ربما يجدون أفكارك البحثية ذات جدوى بحيث يمكن أن يتبنونها.
إذا لم يكن لديك حساب يمكنك من الدخول للمجلات والأبحاث العلمية المنشورة فلا تتردد في طلبها مباشرة من مؤلفيها أو من القائمين على هذه المجلات أو من زملائك خارج البلاد.

تحاشى النشر في الجرائد إلا إذا كان هدفك تبسيط ونشر المعرفة العلمية في مجال تخصصك، وابتعد أيضاً عن الدوريات البحثية ذات الجودة العلمية المنخفضة واحرص بدلا من هذا على النشر في المجلات العالمية. وعندما تهم بالنشر لا تبالغ في تقدير قيمة بحثك ولا تقلل من شأنه، بل كن منطقيا في اختيار النشر في مجلة ملائمة.
وفوق هذا كله إحذر أن تبالغ في الشعور بالاحباط لو رفضت الهيئات العلمية مقترحا بحثيا لك أو رفضت إحدى المجلات نشر نتائج بحث اخر ! بل استفد من هذا الفشل المؤقت في التعلم من الثغرات التي قادت الى هذا الرفض او ذاك ! وعلى الرغم من ان بعض المحكمين يقلل من قيمة الابحاث التي اجريت في الدول ذوات الدخل المحدود إلا أن معظمهم يهتمون بنتائج وأفكار الباحثين أكثر من اهتمامهم بجنسياتهم ! وهو أمر مريح نفسياً على الأقل.

8)  تشبث بالاصرار عندما تواجهك المتاعب والصعوبات

من المفهوم أن محدودية الفرص المتاحة لإجراء الأبحاث العلمية في الدول ذوات الدخل المحدود أو تلك غير المتقدمة علميا تعد عاملا مهما في إطفاء جذوة الحماس لدى الباحثين لكن هذا ينبغي أن لا يفقدهم الهدوء ومحاولة فهم مصدر المشكلة بل وإعادة الكرة مرة تلو الأخرى!.
واحذر في هذا الخصوص أن تكثر من الشكوى أمام تلامذتك أو زملائك المحليين أو خارج البلاد. مثل هذه المواقف لها أثر سلبي معدٍ!، يتفشى بسرعة إلى من حولك! ويظهرك بمظهر أقل شأنا أمام الآخرين! وقد يكون عامل جذب للأشخاص غير المنتجين!. لذا من الأجدى مشاركة زملائك الآخرين ما تواجهونه من مشاكل وتحاولون حلها بشكل جماعي !. وفي هذا الإطار ينبغي لك أن تكون مستعداً لمثل هذه المشاكل بالبحث عن حلول بديلة.

9) علم نفسك بطريقة ذات احترافية ومهنية عالية

ليس كافيا أن تصبح متخصصا في مجالك فقط، في دولة من تلك الدول ذات الدخل المحدود أو تلك غير المتقدمة علميا بل ينبغي عليك أن تواجه السلبيات الموجودة بأن تسعى إلى تعزيز قدراتك المعرفية، وتوسعها في ذات الوقت وهذا يساعد في تعزيز نوعية ما تقدمه من أبحاث بل ويتيح لك المشاركة في صناعة القرار على مستوى القسم أو الكلية أو المعهد أو المؤسسة التعليمية أو الوطن بأكمله عندما يتعلق الامر بتخصصك العلمي، ويعمل أيضا على نشر أفكارك العلمية محليا بل ودولياً.
ومما يزيد من مكانتك العلمية متابعتك الدؤوبة للمستجدات العلمية على الصعيد العالمي، تحدث على الملأ عن البحث العلمي واكتب عنه كلما سنحت لك الفرصة من دون أن يطغى هذا على مسؤولياتك الأصيلة في نقل المعرفة للاجيال أو القيام بالمشاريع البحثية المختلفة.

10) قدر انتمائك الى عالم البحث العلمي

من المعلوم في عالم البحث العلمي ان المنتمين اليه يعانون صعوبات اقتصادية في مسيرتهم المهنية بنسب متفاوتة!.
وعموما فإن رواتب المنتمين الى هذا العالم متدنية بالمقارنة مع غيرها من المهن !. لكن الوقت كفيل عادة ان يكون ما يقدم لهم من رواتب وخلافها في مستوى مقنع.
خلاف ما يوفره النجاح البحثي من جوانب اخرى مثل السفر وحضور المؤتمرات والاجتماعات العلمية ومقابلة الكثير من العلماء والباحثين وغيرهم من شخصيات المجتمع المهمة وكذلك تقديم استشارات مهنية علمية مفيدة.
لكن الرضا النفسي والدافع الذاتي النابع من حب العلم والبحث هو اكثر هذه العوامل تأثيراً .
وأضيف ختاماً على هذا المبدأ أن الباحث المسلم يرى الامور هنا بمنظار أكثر وضوحاً حيث أنه يربط انجازاته البحثية برضا الله ويوفر في ذات الوقت إجابات عملية لسؤال سوف يسأل عنه يوماً حين يقال له : ماذا عملت بعلمك الذي تعلمته ؟ فتجيب عنه صحائف اعماله بما انجز وبما علم الاجيال وبما ساهم في نهضة امته وفي الحديث : (نية المرء خير من عمله) وفقنا الله واياكم الى ما يحب ويرضى والحمد لله على فضله والشكر له على امتنانه

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى ….. ودمتم جميعا بخير

featured image by Tebin Art

  • بارك الله فيكم على المقال كان رائعا

  • شكراً ليلي ، أسأل الله ان يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا

  • بارك الله فيك يا دكتور محمد وبارك له ،، إستمتعت بقراءة المقال كاملاً ، ومع أن الرابط للمقال الاصلي لم يعمل وبذلك لم أطلع عليه ، الا أن الواضح أنك قمت بالترجمة بحرفية عاليه ، وبذلت في ذلك جهدا مميزا ،، أحسن الله اليك كما تحسن الينا بهذه الدرر ، تُتيحها لنا بلغة سهلة واسلوب مميز.
    كل الشكر والتقدير لك ولجهودك.

  • البروفيسور فيصل هنا …. يا مرحباً .. يا مرحباً

    مع حرصي على التأكد من عمل الرابط اكثر من مرة ، لكن لدي مشاكل تقنية متعددة مع المدونة هذه الايام ولعلك ترى كيف ان اخر تدوينة لا تظهر في المقدمة ، سوف احرص على حل هذه المشاكل قريباً بمشيئة الله.

    عدلت الرابط اخي العزيز ، فارجو ان تطلع عليه الان

    افتقدت مجالسك الجميلة كثيراً ، وارجو ان اكون اهلاً لما سطرته من ثناء، أسأل الله لي ولك التوفيق والسداد

  • Pingback: 15 سبباً تدعوك لتصبح باحثاً ! « باحث()

  • Pingback: أرقام لا ترغب في معرفتها … في مسيرة البحث العلمي!! « باحث()