الجمعة , 24 نوفمبر 2017
أحصنة طراودة “بيولوجية” ..والقطط .. والنباتات ..!!

أحصنة طراودة “بيولوجية” ..والقطط .. والنباتات ..!!

نظريا فإن جرثومة Toxoplasma gondii الطفيلية يفترض لها ان تكون اشهر جرثومة طفيلية على وجه الارض، لكنه يبدو ان الحظ يلعب دوره حتى في دنيا الطفيليات !!

صدق او لا تصدق ان هذه الجرثومة الطفيلية وحيدة الخلية تصيب واحداً من كل اربعة من البشر ويذهب احد المواقع العلمية الى القول بانها تصيب اكثر من نصف سكان العالم ، وهي تبقى في حالة كمون لفترات طويلة تمتد لسنوات عند الكثير ممن تصيبهم !
كل ضحايا هذه الجرثومة الطفيلية يحملون الافا منها في اجسامهم وبالذات في خلايا المخ !!
وكأن هذا الوضع لا يكفي “غرور” هذه الجرثومة فهي لا تكتفي باصابة الانسان بل تتمتع بقدرة فائقة على اصابة كل الحيوانات ذوات الدم الحار التي لا يظهر ان بينها صلة قرابة مثل الدجاج والكنغر !!


المثير ان باحثين من السويد اكتشفوا ان هذه الجرثومة تستغل خلايا الجهاز المناعي وتقوم بالفعل باختطاف خلايا مناعية تسمى Dendritic cells وتستخدمها كحصان طراودة Trojan horse للتجول بحرية بل وبفاعلية مثيرة داخل جسم الانسان تسمح لها بالوصول الى اماكن حصينة فيه مثل المخ ! بل الادهى من ذلك فإن هذه الجرثومة ترغم هذا النوع من الخلايا المناعية المختطفة على تجاهل كل الاشارات المناعية القادمة من خلايا مناعية اخرى تأمرها فيها بالتوقف للتفتيش للاشتباه في وضعها !! أتصدقون هذا ؟؟؟

حسنا الامر اكثر ادهاشاً ، وهو يدعوني للاستطراد قليلاً ….

الجهاز المناعي البشري هو من القوة والفاعلية بمكان بحيث لا يحتاج ان يشتبه في تصرف غير طبيعي لخلية تابعة له او أي خلية جسدية اخرى !! بل ان لديه “بصمة مناعية” لكل خلية يحملها جسم الانسان ! تتغير هذه البصمة بوجود تصرفات غير طبيعية للخلايا (خلايا سرطانية) او وجود دخيل استطاع ان يختبئ داخل خلايا الجسم (جراثيم) !
هذا التغير في البصمة المناعية يكتشفه الجهاز المناعي فوراً ويصنفه على اساس انه عمل عدائي فيفرض نظامه الصارم فورا ويصدر اوامره الفورية بوجوب التخلص ليس فقط من الخلايا السرطانية او من الجراثيم الدخيلة بل حتى من الخلايا الطبيعية التي استطاع الدخلاء ان يكمنوا داخلها. والتخلص من هذا النوع من الخلايا في “العرف المناعي” يعني اجبارها على “الانتحار” حتى يتخلص الجسم من اخطارها المحتملة !!
المثير ان جرثومة Toxoplasma gondii تجبر الخلايا التي اختطفتها على تجاهل هذه الاوامر المناعية !!
ومثل هذه الاستراتيجية لهذه الجرثومة الطفيلية تبرر انتشارها الواسع الذي اشرت اليه انفاً ، ومع ذلك لا تحظى هذه الجرثومة بشهرة جراثيم اخرى مثل الايدز والملاريا والايبولا وغيرها. ربما يكون هذا بسبب ان هذه الاستراتيجية ناجحة جدا بحيث تكيف هذه الجرثومة نفسها لتكون سببا في حدوث اصابة جرثومية حميدة جدا Benign infection لا تثير جسم الانسان ونظامه المناعي كثيرا! بل على العكس تتجه الى نوع من السبات hibernation خوفاً من هبوب عاصفة مناعية تقتلع الاخضر واليابس إن صح التعبير! وتستخدم هذا النوع من الخلايا المناعية البشرية كحويصلة  cyst لحمايتها من بطش بقية الاسلحة المناعية وتضمن بالتالي عدم إثارة جهاز المناعة البشري.
وللغالبية العظمى من الباحثين والمهتمين فإنه من المعروف لديهم ان هذه الجرثومة لا تسبب اصابات خطيرة للانسان لكنها تفعل هذا باختطاف واستغلال جهازه المناعي بطريقة في غاية الانسجام والتناغم تحافظ فيها بتوافق رفيع على العلاقة بينها وبين جسم الانسان. وهذا ما دعا احد الباحثين الى القول بأن اصابة شخص ما بهذه الجرثومة تعني انه سوف يحملها معه طوال حياته !!
وعلى الرغم من ان هذه الجرثومة لا تسبب إصابات خطيرة في معظم الحالات ، لكنها تفعل هذا امتياز عند الاشخاص ضعيفي المناعة فتسبب لهم اضرارا خطيرة لخلايا المخ مثلما يحدث عند مرضى الايدز او الاجنة عند النساء الحوامل، وبالفعل فإن هناك 4000 جنين يعانون من الاصابات الخطيرة بهذا الطفيل في الولايات المتحدة سنوياً!
وتلعب القطط دورا رئيسيا في “النجاح” الذي تحققه هذه الجرثومة الطفيلية! حيث تحمل القطط قدرا كبيرا من هذه الجرثومة في امعائها، وفيها تعمل الجرثومة على انتاج ملايين من الحويصلات التي تشبه البيض egg-like cysts، (كالتي في الصورة المقابلة) وتستطيع قطة واحدة مصابة في كل مرة تخرج فيها فضلاتها ان تفرز ما مقداره 100 مليون حويصلة من هذا النوع ، تستطيع هذه الحويصلات ان تبقى على قيد الحياة في التربة لما يزيد عن السنة ويمكن لها ان تلوث مصادر المياه القريبة. هذه الحويصلات تصيب الانسان والحيوانات بطريقة مباشرة او ربما يصاب الانسان بالذات عن طريق تناول اللحوم غير المطبوخة جيداً. وبمجرد دخولها لجسم الانسان مثلا فهي تنتشر بسرعة هائلة بحيث يمكن ان تجدها خلال ساعات في مناطق حصينة مثل القلب واعضاء اخرى بل ربما تصل كما اسلفت الى المخ الذي يعتبر منطقة غاية في التحصين يصعب على كثير من الجراثيم الممرضة الوصول اليها.
أمعاء القطط تعتبر أيضاً المكان الطبيعي للتكاثر الجنسي لهذه الطفيليات وتحديداً طبقة الخلايا الطلائية المبطنة للامعاء، وهذا الطفيل يستطيع التكاثر بكلتا الطريقتين جنسياً ولاجنسيا!
اكتشف الباحثون أيضاً ان جرثومة Toxoplasma gondii تستخدم بروتيناً يشبه تركيبه بروتيناً نباتـياً يـسمى (Abscisic acid (ABA تقرر من خلال استخدامه متى تبدأ في التكاثر ومتى تفضل ان تبقى ساكنة فيما يشبه طور الكمون dormant . ولقد قام مجموعة من الباحثين باستخدام جرعات منخفضة من مادة تستخدم للتخلص من بعض النباتات غير المرغوبة Herbicide في ايقاف انتاج هذه المادة وادى هذا الاجراء الى وقاية فئران التجارب من الاصابات المميتة لهذه الجرثومة الطفيلية
هذه الدراسة تفتح باب انتاج الادوية المثبطة لانتاج هذه المادة على مصراعيه، خاصة وان مركب ABA معروف في عالم النبات ولقد طور الانسان له الكثير من المثبطات، هذا بالاضافة الى انخفاض احتمال وجود اثار جانبية لاستخدام هذه المثبطات.
وهذه الدراسة سوف تسلط الضوء على اهمية وجود هذه المركبات المتشابهة في النباتات والجراثيم واهمية استخدامها في تطوير ادوية مناسبة ، بل ان هذه الدراسة بررت بشكل جزئي ما اظهرته دراسات سابقة من ان طفيل الملاريا يتم تثبيطه عند استخدام مثبطات نباتية Herbicide كالتي تمت الاشارة اليه انفا!.
والتفسير العلمي الذي دائما ما يتم التركيز عليه عند الباحثين غير المسلمين هو اقحام نظرية التطور فيها بالقول مثلا ان اسلاف Ancestors الجراثيم الطفيلية مثل سيئة الذكر Toxoplasma gondii من قديم الزمان كانوا عبارة عن خلايا طحلبية algal cells تشابه صفاتها صفات النباتات ، ومع مرور الزمن و “تطور” الكائنات الحية احتفظت الطفيليات ببعض صفات اسلافها النباتيين !! وهذا التفسير لا يروقني أبداً لانه بكل بساطة يفتقر للاثباتات العلمية الدامغة.
لكني ارى فيها تفسيرا اخرا محتملا تبرز فيه دلائل رحمة الله تعالى بالانسان ومظهر من مظاهر تكريمه وتسخير الارض وما فيها له ففي الحديث النبوي الشريف يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم (ما انزل الله من داء الا وانزل معه دواء ، علمه من علمه وجهله من جهله ) او كما قال الرسول الكريم. فكأن وجود هذه المركبات المتشابهة في النباتات والجراثيم فيه دعوة ربانية لاستغلال هذه التشابه لعلاج الكثير من الامراض التي تصيب الانسان بذات الطريقة التي تتم معالجة فيها الامراض النباتية او ربما قريبا منها.
الطريف ان مادة ABA تلعب دورا رئيسيا في تنظيم الازهار او كمون البذور في النباتات. وهذه دعوة للمتخصصين المسلمين في علم النبات بالتعاون مع نظرائهم المتخصصين في علم الجراثيم والمناعة والطفيليات للبدء في ابحاث من هذا النوع.

الدهشة لاتتوقف مع Toxoplasma gondii عند هذا الحد !! بل تتعداها الى ابعاد اكثر ادهاشاً!!
فعلى الرغم مما يعتقده كثير من الباحثين كما أسلفت أن هذا الطفيل لا يسبب في الاحوال العادية أية مشاكل ذات بال للانسان المصاب، إلا أن بعض الدراسات العلمية المنشورة أشارت الى تأثير محتمل لهذا الطفيل على سلوك الكائن الحي ! على الاقل في حيوانات التجارب !  وبدأت هذه الدراسات بدراسة بريطانية سنة 2000 أظهرت أن الفئران المصابة بطفيل Toxoplasma gondii تفقد خوفها الفطري من عدوها الاكبر : القطط ! واقترح الباحثون حينها أن هذا الطفيل يستخدم هذه الاستراتيجية لتجعله قريباً من العائل النهائي definitive host حيث يستطيع الطفيل القيام بالتكاثر الجنسي في أمعاء القطط فقط ! ، تتبع هذا الخيط فريق بحثي آخر من جامعة ستانفورد الامريكية وجد أن الفئران لاتفقد فقط خوفها الفطري من القطط بل إنها تنجذب الى رائحتها ! بمعنى أن الطفيل لم يفقدها سلوكها الفطري فقط بل أكسبها سلوكاً جديداً ! لكن نفس الفئران احتفظت بخوفها الفطري من رائحة الكلاب والارانب ! لا أدري لم طرأ على ذهني بعض مشاهد المسلسل الكرتوني الشهير (توم و جيري) !! وكيف أنهما – أقصد توم وجيري – ينقلبان في بعض الحلقات الى صديقين حميمين ! ربما بتأثير طفيل Toxoplasma gondii 🙂 . لكن الكيفية التي يعمل من خلالها الطفيل لتغيير سلوك الفئران تجاه رائحة القطط لم يزل لغزاً محيراً ! وإن كان الفريق البحثي يقترح أن هذا الطفيل ربما يعمل على إحداث تغييرات على مستوى بعض الموصلات العصبية neurotransmitters ! مثل هذه الدراسات دعت باحثين آخرين للشك في دور هذا الطفيل بظهور حالات المرض النفسي المعروف بإنفصام الشخصية Schizophrenia في الانسان !، بل قام فريق بحثي من جامعة جون هوبكنز بمراجعة السجلات الطبية للجنود الامريكيين المصابين بحالات انفصام الشخصية فوجدوا أن عينات الدم لدى المصابين تحتوي على علامات العدوى بطفيل Toxoplasma gondii أكثر بمرتين من وجودها في عينات الجنود غير المصابين بهذا الطفيل ! مثل هذه الدراسات تحتاج بالطبع الى مزيد من التمحيص بل والتأكيد من فرق بحثية أخرى قبل التسليم بنتائجها !

لخصته لكم من الروابط  1، 2، 3، وأوصي بشدة بالاستمتاع وليس الاستماع الى الحلقة رقم 12 من TWiP لمن أراد معرفة المزيد عن هذا الطفيل من أفواه متخصصين عالميين.

  • نسرين

    اعجبني وفعلا تكسوبلازما جوندي مهمة

  • Heba 897

    يا رب احمينا