الأربعاء , 28 يونيو 2017
الخلايا الجذعية المنتجة للانسولين ….خطوة أخرى

الخلايا الجذعية المنتجة للانسولين ….خطوة أخرى

melton_douglasتحدثت في تدوينة خلت عن تقدم علمي مهم في الطريق الى لقاح الايدز  ، واحدثكم اليوم عن تقدم علمي اخر لايقل اهمية و يتعلق بداء السكري الذي تقدر منظمة الصحة العالمية عدد المصابين به على مستوى العالم بما يزيد عن 180 مليون مصاب ! هذا العدد مرشح للتضاعف بحلول عام 2030 للميلاد ! و موقع الاتحاد الدولي لداء السكري The International Diabetes Federation به إحصائيات مرعبة عن هذا المرض.

وكما كان التقدم الذي أُحرز في مضمار الايدز امريكياً ، فإن التقدم الذي أحرز في مضمار داء السكري كان امريكياً ايضاً ، وبالتحديد في معهد الخلايا الجذعية بجامعة هارفارد حيث قام  الفريق البحثي بقيادة الدكتور Douglas Melton بانتاج اول جيل من الخلايا الجذعية المنتجة لهرمون الانسولين والمستخرجة من خلايا الجلد لمرضى داء السكري من النوع الاول، وقاموا بنشر نتائج دراستهم في الدورية العلمية الشهيرة PNAS (والدراسة متاحة بالكامل للتحميل من هذا الرابط) .

وفي مقابلة سريعة وظريفة اجرتها دورية NewScientist الاسبوعية الشهيرة مع Douglas Melton بادره الصحافي المتخصص Roger Highfield بالسؤال:

ابنك وابنتك مصابان بالسكري وهو ما دفعك بقوة ولا شك لايجاد علاج لهذا المرض! الى اي مدى ذهبت في ايجاد هذا العلاج ؟

Douglas Melton : مؤخراً سألني ابني Sam قائلاً : أبي هذا الاكتشاف استغرق منك ثمان سنوات كاملة لتحديد خطوتين من اصل اربع او خمس خطوات لعلاج المرض كما تخبرني دائما ! فلم أنت متحمس هكذا ؟

عندها أخبرته : ان الاكتشاف الاخير اوضح ان الامر ليس خيالاً علمياً لا يمكن تطبيقه ! بل هو أمر أمكننا عمله والنجاح فيه ، أما بقية الخطوات فسوف نملأ فراغها قريباً !

في داء السكري من النوع الاول لدينا إشكاليتان !
الأولى : غياب الخلايا المنتجة لهرمون الانسولين ، والثانية : المهاجمة الذاتية لهذه الخلايا من قبل جهاز المناعة البشري وهو ما يؤدي الى قتل الخلايا المنتجة للانسولين في المقام الاول.
ما فعلناه في مختبرنا البحثي وفعله اخرون كذلك، أننا أستطعنا حل الإشكالية الأولى وسوف نتمكن من إنتاج كمية جيدة من الخلايا المنتجة للانسولين قريباً.
وعندما بدأت العمل في هذا الحقل قبل عدة سنوات ، ظننت وقتها اني لو تمكنت من حل الاشكالية الاولى فإن المتخصصين في علم المناعة سوف يقومون بحل الاشكالية الثانية في نفس الوقت ! لكن يبدو ان الاشكالية الثانية ليست سهلة الحل !

Roger Highfield : اذن كيف ستحمي الخلايا المنتجة للانسولين لو لم تُحل الاشكالية الثانية ؟

Douglas Melton : الهدف هنا هو البحث عن السبب الرئيسي وراء الرفض المناعي الذاتي لهذه الخلايا !
حتى نصمم علاجاً مناسباً ، لابد لنا اولاً من معرفة آلية حدوث المرض، لن ننتظر أن يسقط علينا العلاج من السماء !
الجانب المزعج هنا – من وجهة نظر إبني – أن الامر ربما يستغرق زمناً أطول ! لكني لا أرى سبباً يمنع من استخدام الخلايا التي اكتشفناها كأساس لعلاج امراض مختلفة مثل داء السكري.

إذا كنت تريد تصميم تجربة بحثية بعد تفكير متأن في الكيفية التي يحدث من خلالها داء السكري من النوع الاول فإن هذا يستدعي منك التالي :
أن تستنسخ شخصاً مصاباً بهذا المرض 100 مرة ! وتضع كل نسخة بشرية من هذا الشخص المصاب في بيئة مختلفة وتطعمهم طعاماً مختلفاً وتحقنهم بفيروسات مختلفة ثم تواظب على سحب عينات الدم منهم كل خمس دقائق ! ثم تقوم باستئصال البنكرياس بحثاً عن السبب في حدوث المرض !
من الواضح اننا لن نستطيع القيام بمثل هذه التجربة ! لكن الخلايا المكتشفة حديثاً عن طريق الدراسة التي اجريناها توفر لنا بديلاً مناسباً لاجراء تجربة شبيهة ! …
كيف ؟ ….
حسناً نحتاج التالي: خلايا جذعية منتجة للانسولين كالتي اكتشفناها ، نضعها “هدفاً ” لخلايا مناعية تستطيع مهاجمتها ثم نحتاج الى الغدة الثيموسية او “المعهد المناعي” لكي تتعلم فيه نوعية معينة من الخلايا المناعية كيف تفرق بين الخلايا الذاتية وتلك غير الذاتية،
بعد هذا نضع كل هذه الخلايا في “انبوب اختبار حي” ! اقصد الفئران البشرية Humanised Mice هذا التصور المقترح أستغرق مني سنتين !
بعدها سوف اراقب كيفية حدوث داء السكري من النوع الاول في هذه الفئران ! ولو حدث الامر كما هو مخطط له فإنه لن يفتح باباً عريضاً فقط بل سوف يفتح بوابة هائلة لم يكن ممكناً فتحها من قبل ! كل ما علي فعله بعدها ، ان ألاحظ أي خلية من هذا الخلايا البشرية الموجودة في الفئران سوف تسقط اولاً  أو تصاب بمعنى أدق لتقود الى سقوط البقية !

Roger Highfield : هل هناك ابعاد أخرى للتطبيقات المحتملة لمثل هذا النوع من الخلايا الجذعية  ؟

Douglas Melton : هناك افكار اخرى اظنها ما زالت في مرحلة الخيال العلمي ! تخيل لو أمكننا أن نصنع من هذه الخلايا غدة ثيموسية موجودة على طبق في المختبر ! لندرس كيف يتم تدريب الخلايا المناعية المعروفة بالخلايا التائية T cells على تأدية مهامها المختلفة وعلى رأس هذه المهام كيف يمكنها أن تميز مابين الانسجة الذاتية والاجسام الغريبة عن الجسم البشري!
ربما تصاب بالسرطان بعد 30 سنة فأقول لك حينها لا تقلق Roger لاني سوف استخلص خلايا جذعية من جسمك واضعها في “الغدة الثيموسية المختبرية” الموجودة على الطبق واقوم بتدريبها بطرق معملية طبعاً أن الخلايا السرطانية تقوم بعمل سيء لذلك يجب التخلص منها ! ثم استفيد من هذه الخلايا الجذعية التي تم تدريبها بحقنها مرة اخرى في الجسم للقضاء على الخلايا السرطانية ! مثل هذا التوجه يركز عليه الان عالم مثل David Baltimore من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا الشهير بجامعة كاليفورنيا ، وهو بالمناسبة حاز جائزة نوبل عام 1975

Roger Highfield : ما هو مستقبل الخلايا الجذعية في نظرك  ؟

Douglas Melton : بالنسبة لي سوف يكون متقدما بصورة سريعة !.. لماذا تنتظر حتى تصبح مريضاً ؟… لماذا لا نستخدم هذا النوع من الخلايا لنبقى أصحاء ؟ …
الخلايا الجذعية مفتاح لفهم الاليات الطبيعية التي تحدث داخل اجسامنا والتي يكون هدفها اصلاح ما فسد من خلايا او انسجة او اعضاء ! لست من المهتمين بفكرة “الخلود” Immortality لكني مهتم بفكرة ان تعيش طوال الفترة ما بين 30 الى 70 سنة وانت تتمتع بصحة ابن الثلاثين !

Roger Highfield : ما رأيك في التنظيمات المتعلقة بابحاث الخلايا الجذعية  ؟

Douglas Melton : دولة واحدة فقط تعاملت مع هذا الاتجاه البحثي بالغ الصعوبة بحكمة في سن السياسات المتعلقة به ، و كانت خلال ذلك تطرح النقاشات لمعنى ان يكون الانسان انساناً ! ومتى تبدأ الحياة ؟ وما يتعلق بمثل هذه التساؤلات من ارتباطات دينية !
وأنا من المعجبين جدا بالطريقة التي سنت بها بريطانيا سياستها المتعلقة بابحاث الخلايا الجذعية ! لكن السياسة المتبعة هنا في امريكا في ذات الشأن تشهد تخبطاً وتدعو للأسف لدرجة أنني في بعض الاوقات أتعجب كيف تستمر هذه الطريقة في اتخاذ القرارات في بلد مثل امريكا !

— انتهى اللقاء —

و الدكتور Douglas Melton عمل سابقا في مجال ابحاث الضفادع ! عندما اصيب ابنه بداء السكري ثم تبعته ابنته مما دعاه الى تغيير مسار ابحاثه الى الخلايا الجذعية بأمل أن يلقى علاجا لهذا المرض ، وقام أيضا قبل سنة تقريبا بنشر دراسة مميزة جداً في الدورية الاسبوعية العلمية الاشهر في العالم Nature ، وكانت الدراسة ذات علاقة وطيدة بما نتحدث عنه هنا ، وبدون إستخدام أية خلايا جذعية!
قام هذا الباحث بتغيير طبيعة خلايا أخرى موجودة في البنكرياس ألا وهي خلايا Exocrine cells التي  تشكل 95% من خلايا البنكرياس والمنتجة لأنزيمات هضمية ، إلى خلايا تشبه خلايا “بيتا” المنتجة لهرمون الانسولين!
وذلك باستخدام فيروس يدخل الى هذه الخلايا محملاً بثلاث جينات منظمة تقوم بتهيئة خلايا Exocrine cells لوظيفتها الجديدة كخلايا منتجة للانسولين ، ولا تتطلب هذه التقنية أي “غسيل مخ” محتمل للطبيعة الوظيفية السابقة لهذا النوع من الخلايا، بل هي تشبه الى حد كبير تحويل الباحث الى محامي بدون الاضطرار الى اعادته للدراسة في معهد للمحاماة ! الخطوة التالية في ذلك الحين كما وصف الدكتور Douglas Melton هو تكوين مجموعة من هذه الخلايا التي تمت اعادة هيكلتها ان صح التعبير في شكل اجزاء معزولة او جزر خلوية معزولة داخل البنكرياس كما هو وضعها الطبيعي.

انتهى ما حاولت تبسيطه لكم لتخرجوا من الوقت الذي قضيتموه في القراءة بفائدة ، ولقد قمت بالاحالة الى المراجع العلمية والاخبارية التي اوردت هاتين الدراستين والاخبار المتعلقة بها في ثنايا التدوينة لمن اراد التوثيق او الاستزادة ، بقيت ملاحظة اولى الا وهي انه على الرغم من ايرادي للفظة “شهيرة” اكثر من مرة لوصف الدوريات العلمية التي استقيت منها هذه الاخبار وهو ربما يعتبر مبالغة الا انني قصدت تماماً هذا المعنى اذ ان الدوريات التي اشرت اليها اشهر من نار على علم ، على امتداد العالم. الملاحظة الثانية هي ان الدراستين التي لخصتهما والمقابلة التي ترجمتها للباحث Douglas Melton تحتاج للكثير من الوقفات المفيدة التي تضيق عنها هذه التدوينة وربما افرد لها تدوينة اخرى متى ما وجدتُ مادة مناسبة للحديث عنها.

اخيراً … استمتعت بمشاهدة Douglas Melton وهو يتحدث في 5 دقائق تقريباً عن كيف اصبح باحثا علمياً وفي مقطع ممتع آخر يتحدث في حوالي الدقيقة عن اهمية دعم منح البحث العلمي ، فلو اردتم مشاركتي هذه المتعة فعليكم بهذين الرابطين 1 و 2 ، وهاكم رابطاً ثالثاً لمحاضرة استغرقت قرابة الساعة وتحدث فيها  Douglas Melton عن الخلايا الجذعية .

أترككم في أمان الله..