الثلاثاء , 22 أغسطس 2017
” زيكا ” الأخ الشقيق لـ ” الضنك ” !!

” زيكا ” الأخ الشقيق لـ ” الضنك ” !!

من أين أتت صلة القرابة هذه ؟

فيروس زيكا Zika المسبب لحمى زيكا Zika fever التي تفشت بصورة ملحوظة العام الماضي 2015 في البرازيل ولا زالت متفشية هناك، بل إن الفيروس تعدى حدود البرازيل إلى 25 دولة وليصيب حتى اللحظة أكثر من مليون إنسان في أمريكا الجنوبية! هو بالفعل بمثابة الاخ الشقيق او ابن العم القريب للفيروس المسبب لحمى الضنك Dengue Fever ،

Zika virus - transmission electron micrograph

Zika virus – transmission
electron micrograph
Image Credit : sciencenews.org

وكلاهما ينتميان للعائلة الفيروسية Flaviviridae المشهورة بأن الفيروسات المنتمية إليها تسبب عدة أشكال من الحمى النزيفية  Viral Hemorrhagic Fevers وتحتوي المجموعة جنساً واحداً فقط هو Flavivirus لذلك يصح في أعضاء هذه العائلة الفيروسية القول بأنها فيروسات “شقيقة”.
تنتقل هذه الفيروسات عبر لدغ الحشرات مثل البعوض أو القُراد insect-borne diseases ومن أمثلتها الاخرى yellow fever Virus فيروس الحمى الصفراء، West Nile Virus فيروس حمى غرب النيل ، Japanese encephalitis virus فيروس التهاب الدماغ الياباني، وهذه العائلة هي جزء من مجموعة كبيرة من مئات الفيروسات التي يطلق عليها Arbovirus وهي تحمل الحامض النووي من نوع RNA في الغالب وتنتقل عبر المفصليات Arthropods مثل البعوض والقُراد.

ما هي مواصفات هذه العائلة الفيروسية ؟

Alka-Seltzer_tablet_2907_620_526_100عائلة Flaviviridae الفيروسية هي من الفيروسات المغلفة Enveloped virus وتتكون مادتها الوراثية من الحامض النووي RNA مفرد وموجب السلسلة positive-single strand RNA وهذا يعني أن لهذه الفيروسات القدرة على ترجمة الحامض النووي الخاص بها إلى بروتينات فيروسية وبالتالي جزئيات فيروسية كاملة immediately be translated by the host cell وبصورة مباشرة بدون الحاجة مثلاً لأنزيم RNA polymerase.
وهذا ما يدعو بعض الباحثين إلى افتراض أن الاحماض النووية الفيروسية من نوع Positive ssRNA ذات طبيعة معدية بذاتها Infectious by it self من دون الحاجة إلى وجود كامل الجزيئي الفيروسي!
والذي يحدث هنا أشبه ما يكون بوضع قرص فوار في الماء حتى تبدأ في الحال كثير من جزئيات الفقاعات الصغيرة في الانفصال، حيث يمثل القرص الفوار هنا Positive ssRNA والماء يمثل سيتوبلازم خلية العائل والفقاعات الصغيرة هي البروتينات الفيروسية التي يتم انتاجها فوراً!

وهكذا فإنه يمكن القول بأن الحامض النووي الفيروسي Positive ssRNA يشابه في طبيعته الحامض النووي المرسال mRNA لخلية العائل الذي تستخدمه الرايبوسومات خلال عملية الترجمة Translation لانتاج البروتينات، بحيث يخادع الفيروس رايبوسومات خلية العائل فتقوم باستخدام الحامض النووي الفيروسي Positive ssRNA لانتاج البروتينات الفيروسية التي يحتاجها الفيروس، ويتضح تبعاً لهذا أن المادة الوراثية لهذه الفيروسات viral RNA genome عبارة عن الحامض النووي المرسال viral mRNA في ذات الوقت.
بعد ذلك يحدث تضاعف الحامض النووي لهذا النوع من الفيروسات بعد اكتمال عملية تصنيع البروتينات الفيروسية عموما وبالذات تصنيع البروتينات اللازمة لعملية التضاعف وهي في هذه الحال إنزيم (Viral RNA polymerase (replicase الذي يقود بدوره عملية التضاعف على سطح الشبكة الاندوبلازمية بحيث يقوم هذا الانزيم Viral RNA polymerase بنسخ نسخة تكميلية سلبية complementary negative ssRNA من نسخة الحامض النووي الفيروسي الاصلية Positive ssRNA، تعمل النسخة السلبية بدورها كقالب Template يتم من خلاله استنساخ جزئيات Positive ssRNA الجديدة.
وهنا سؤال يحدد مقدار استيعابك لما قرأت أعلاه من شرح لطبيعة ما يحدث مع هذا النوع من الفيروسات عندما تكون داخل خلية العائل !

ما هي إذن أول خطوة يقوم بها فيروس من هذا النوع عندما يتمكن من الدخول إلى داخل خلية العائل ؟
هل هي عملية النسخ Transcription أم عملية الترجمة Translation ؟

Image Credit: ppdictionary.com

Image Credit: ppdictionary.com

ما الذي يمثله الإنسان كعائل بالنسبة لهذه الفيروسات ؟

عادة ما تعتبر إصابة هذه الفيروسات للإنسان ذات طابع عَرَضِي incidental host لأن الانسان هنا باعتباره “عائلاً” لا يدخل عادة من ضمن دروة حياة الفيروس، بحيث يمكن مثلاً أن ينتقل الفيروس من خلال الانسان المصاب مرة أخرى إلى العائل النهائي definitive host لإكمال دورة حياته أو العودة إلى العائل الخازن reservoir host ، يمكنك إكتشاف العائل الخازن لو أتممت قراءة التدوينة!
الذي يحدث تحديداً هو أن الفيروس لا يتضاعف في الانسان كعائل عرضي وسيط intermediate incidental host بدرجة كافية يمكن أن تسمح للفيروس أن يقوم بأمرين ، الأول: أن ينتقل مرة أخرى عبر البعوض، والثاني: أن يكمل دورة حياته في البعوض تبعا لذلك ! مثلما يحدث بصورة مثالية في البعوض الناقل لطفيل الملاريا مثلاً، لذلك يطلق على الانسان كعائل بالنسبة لهذا النوع من عائلة فيروسات Flaviviridae مصطلح dead end host.
لكن الاستثناء يحدث مع الانواع التي تسبب حمى الضنك والحمى الصفراء وحمى زيكا مؤخراً !! مع الإشارة إلى أن فاعلية العائل البشري في أن يكون مصدراً لانتقال الفيروس مرة أخرى هي محل شكوك كبيرة ! لماذا؟ (الاجابة في ثنايا التدوينة) ومع هذا فلو حدث أي استثناء هنا فإنه لا يترتب عليه إكمال دروة حياة الفيروس في البعوض الناقل.! السؤال : ما هو الاستثناء هنا ؟

كيف تنتقل هذه العائلة الفيروسية عموما؟

هذه الفيروسات عموما لا تنتقل من الإنسان إلى الإنسان مباشرة، ولا تنتقل أيضا من الحيوان إلى الإنسان مباشرة بدون وجود الناقل الحشري المتمثل في البعوض أوالقراد ، لذلك لا تمتلك هذه الفيروسات الطبيعة المعدية الذاتية contagious بل لابد لها من وجود الناقل الحشري.

متى أُكتشف فيروس “زيكا” لأول مرة ؟

Image Credit : CNN

Image Credit : CNN

أُكتشف فيروس زيكا لأول مرة منذ حوالي 70 عاماً في قرود rhesus monkey في غابة زيكا قرب بحيرة فكتوريا بأوغندا عام 1947 وتم عزله لاحقاً عام 1948 من بعوض Aedes africanus المتواجد في نفس الغابة، بواسطة الاسكتلنديان عالم الفيروسات George Dick وعالم الحشرات Alexander John Haddow، وبالتالي فإن الفيروس يصيب القرود بالدرجة الأولى وينتقل منها إلى الإنسان، لكن لا يُعرف تحديداً متى بدأ هذا الفيروس في إصابة الإنسان لكن الحالة الأولى المسجلة رسميا لحمى زيكا حدثت في نيجيريا عام 1952 وكان المصاب هو عالم الفيروسات David Simpson، ومن المحتمل كذلك أن الفيروس قد أصاب الكثير في أفريقيا لكن ضعف وربما انعدام برامج تقصي الأمراض في القارة السمراء ما عدا تلك البرامج التي تتقصى الأمراض الأشهر وذات الأثر الهائل على صحة الانسان مثل الملاريا والدرن والايدز وإيبولا مؤخراً، قد ساهم في عدم الاهتمام بهذا المرض في أفريقيا كثيراً!
توالى بعد ذلك اكتشاف العديد من الدلائل المصلية (السيرولوجية) لوجود هذا الفيروس في عدة دول افريقية وكذلك في عدد من الدول الاسيوية مثل الهند وماليزيا والفلبين واندونيسيا، وتم عزله لأول مرة خارج أفريقيا وآسيا في عام 2007 في أحد جزر المحيط الاطلنطي الصغيرة حيث أصاب حينها 75% من سكان الجزيرة!، ثم ظهرت حالات تفشي أخرى في جزر المحيط الاطلنطي ما بين عامي 2013و 2014 ، وفي مايو 2015 ظهرت حالات حمى زيكا لأول مرة في امريكا الجنوبية وفي البرازيل تحديداً حسب مركز CDC الامريكي، وهناك بعض التقارير التي تربط ظهور فيروس زيكا في البرازيل بسبب استضافتها لحدثين رياضيين هما: كأس العالم سنة 2014 ، وسباق الزوارق لمنطقة الباسفيك، وما ترتب على هذه الاستضافة من استقبال الجماهير من مختلف دول العالم وبالتالي فإن الاحتمال كان قائما حينها لانتقال البعوض الناقل بالدرجة الاولى (ماذا عن أهمية تنقل المسافرين المصابين؟)، وبسبب معدل انتشاره العالي في البرازيل فإن منظمة الصحة العالمية WHO اعتبرت في الأول من فيراير الجاري انتشار فيروس زيكا ممثلاً لحالة طوارئ للصحة العامة العالمية.
ويبدو أن هناك سلالتان أو (نسلان إن صح التعبير) من هذا الفيروس : السلالة الافريقية التي ارتبطت بظهور الفيروس لأول مرة في افريقيا ، والسلالة الاسيوية المرتبطة بحالات حمى زيكا الحديثة التي ظهرت في امريكا الجنوبية، ويبدو أن السلالة الآسيوية أكثر قدرة على إحداث حالات التفشي كما هو مشاهد حالياً.

كيف ينتقل فيروس زيكا ؟

Aedes aegypti life cycle Image Credit: Nature Education

Aedes aegypti life cycle
Image Credit: Nature Education

مثله مثل بقية أنواع العائلة الفيروسية فإن زيكا ينتقل أساساً بواسطة البعوض، والبعوض الناقل لفيروس زيكا من نوع Aedes aegypti الذي يستطيع نقل مجموعة من الفيروسات المشابهة مثل حمى الضنك والحمى الصفراء، لكن توجد أنواع أخرى من نفس جنس هذا البعوض تم عزل الفيروس منها بالفعل و تعتبر ناقلات محتملة للفيروس مثل Aedes africanus.
ينشط البعوض الناقل لهذا الفيروس عادة في منتصف النهار وكذلك في الاوقات ما بين آخر النهار حتى حلول المساء، وهو نفس ما يحدث مع حمى الضنك تماماً، والسبب بديهي!

توجد أيضاً تقارير متفرقة وقليلة جداً لحالات انتقل فيها الفيروس بطرق أخرى، فمثلاً سُجلت حالتان لانتقال الفيروس عبر الإتصال الجنسي، مع وجود تقرير لحالة إتضح فيها وجود الفيروس في السائل المنوي لأحد المصابين.
فيما يخص انتقال الفيروس من الأم للجنين عبر المشيمة فإن الوقت لا زال مبكراً لإثبات قدرة الفيروس وبصورة علمية مؤكدة على الانتقال عبر المشيمة من الأم الحامل المصابة إلى جنينها trans-placental transmission أو ربما خلال الولادة (تم تفصيل الحديث حول هذا في موضع آخر من التدوينة)

ماهي أعراض حمى زيكا ؟ ومتى وكيف تظهر ؟

Image Credit: wikimedia.org

Image Credit: wikimedia.org

معظم المصابين بفيروس زيكا لا تظهر عليهم أية أعراض asymptomatic، وهؤلاء تتراوح نسبتهم ما بين 60 الى 80%، وتظهر أعراض الاصابة عند البقية بعد فترة الحضانة التي تبدأ عادة بعد لدغة البعوض الناقل وحدوث العدوى وتستمر ما بين 3 إلى 12 يوماً، وعادة لا تكون الأعراض شديدة، وتستمر غالباً من أيام إلى أسبوع، ونادراً ما يحتاج المصابون إلى التنويم في المستشفيات hospitalization ولم تُسجل إلى الآن حالات وفيات بسبب الاصابة بهذا الفيروس.
فيروس زيكا يسبب إصابات حُمِّية خفيفة عادة mild febrile illness مع ظهور الطفح الجلدي maculo-papular rash، وتشمل الأعراض بالإضافة إلى الحمى والطفح الجلدي، التهاب ملتحمة العين conjunctivitis وآلام المفاصل بالاضافة الى أعراض أخرى مثل الصداع والقيء وآلام العضلات والآلام خلف العينين.

ماهي علاقة حالات صغر جماجم الأجنة بفيروس زيكا؟

Image Credit: wikimedia.org

Image Credit: wikimedia.org

إرتبط انتشار حالات حمى زيكا في البرازيل فقط مع ظهور حالات إصابات تشوهات خلقية congenital disorder تعيق نمو الجمجمة بشكل طبيعي لدى الأجنة microcephaly، ولم تظهر مثل هذه التشوهات التي تصيب الأجنة في مناطق انتشار فيروس زيكا الأخرى!، على الرغم من أن حالات تفشي حمى زيكا ظهرت في بعض جزر المحيط الاطلنطي بصورة قوية شملت في بعض الجزر 70% من السكان بدون ظهور مثل هذه التشوهات لدى أجنة المصابات من الحوامل!.
وعلى العموم فإنه بالنسبة لوضع حمى زيكا في البرازيل فإن أقوى آثار المرض تظهر لدى النساء الحوامل على اعتبار الصلة المبدئية بين ظهور حمى زيكا وظهور تشوهات الجمجمة لدى أجنّة المصابات من الحوامل، ويشير المختصون إلى أن أشد الآثار المحتملة لهذه التشوهات لدى جماجم الأجنة تزيد خلال الثلاثة الأشهر الأولى من الحمل.

ومع أن فيروس زايكا اُكتشف لأول مرة في البرازيل في بداية 2015 إلا أنه تم تسجيل 2400 حالة من صغر الجمجمة لدى حديثي الولادة في البرازيل خلال العام الماضي، ووصل الرقم إلى 4000 حتى لحظة كتابة هذه التدوينة، إلا أن هذه الأرقام ما زالت مُضلِلَة إلى حد كبير!.
وعادة ما يعاني هؤلاء الاطفال من مشاكل خطيرة في النمو قد تنتهي بهم إلى الوفاة، وهو ما حدث بالفعل في البرازيل حيث توفي من هؤلاء الاطفال 29 طفلاً وعند فحص العينات النسيجية لهم تم عزل فيروس زيكا منها، لكن لم يتم تأكيد الارتباط الوثيق بين فيروس زايكا وبين حالات تشوهات الجمجمة حتى اللحظة! (لماذا؟ وقد عُزل الفيروس من الأجنة!) ، ومع أن كولومبيا التي تعاني كذلك من حالات تفشي حمى زيكا وبالذات لدى الحوامل حيث تم تسجيل 2100 حالة من الحوامل المصابات بفيروس زيكا إلا أنه ليس معروفاً على وجه اليقين إصابات الأجنة هناك بالتشوهات من نوع microcephaly ! (لماذا؟).
وهكذا لايبدو أن فيروس زيكا مسؤول بشكل قاطع عن هذه التشوهات التي تصيب الاجنة، كما أن تزامن حدوث حالات حمى زيكا مع حالات microcephaly لا يعني أن أحدهما – وهو الفيروس – سبب للآخر Coincidence does not imply causality، إذ ربما يكون الأمر متعلقاً بوجود سبب بيئي أو تسمم بمادة كيميائية معينة كما تشير بعض التقارير فعلاً أو أنه بسبب استخدام بعض الادوية بصورة مكثفة للحوامل في البرازيل أو أنه ببساطة اختلاف طريقة تسجيل تقارير مثل هذه التشوهات الخلقية في البرازيل تحديداً حيث أن بعض الولايات هناك تقوم بتسجيل كل التشوهات الخلقية بغض النظر عن علاقتها بالاصابة بفيروس زيكا وهو ما يشير إليه أحد المتخصصين حتى بالنسبة لتقدير مثل هذه الحالات في الولايات المتحدة نفسها! بل إنه يقول أن حالات microcephaly المسجلة في البرازيل لا تزال أقل بـ 10 مرات على الأقل من أعدادها المسجلة في الولايات المتحدة أو اوروبا خلال العشر سنوات الأخيرة مما يعطي دلالة على وجود إشكالية في تسجيل مثل هذه التقارير في البرازيل على أقل تقدير.
بل إن أحد المهتمين يعلق على هذه الأعداد الكبيرة من حالات microcephaly بالقول أنه تم بالفعل اختيار 700 حالة من 4000 حالة مسجلة لاختبار صحة العلاقة بين الفيروس وحالات تشوه الأجنة وللتأكد من كون حالات microcephaly هي بالفعل كذلك، ولكن يتم احتسابها تجاوزاً !، فظهر أن 270 حالة فقط من أصل 700 حالة تمثل حجم العينة المنتقاة يمكن اعتبارها بالفعل حالات microcephaly ! والمفاجأة أن 6 حالات فقط من أصل 270 حالة microcephaly مثبتة أتضح وجود دلائل فيروس زيكا فيها!!
كما أنه من المعروف أيضاً على المستوى الجرثومي أن هناك فيروسات أخرى من الممكن أن تُسبب تشوهات مماثلة من خلال الانتقال من الأم الحامل إلى الجنين عبر المشيمة مثل فيروس Rubella و فيروس CMV، بل إن فيروس Rubella مسؤول عن 100 ألف حالة تشوه تحدث سنويا للأجنة بسبب إصابة الأمهات الحوامل بهذا الفيروس تحديداً.
لكن الانتقال من الأم الحامل إلى الجنين عبر المشيمة ليس أمراً متاحاً بسهولة للجراثيم لأسباب عديدة من ضمنها أن المشيمة تتغير تركيبتها باستمرار وبصورة هائلة على المستوى الخلوي عبر مراحل الحمل المختلفة، وبالتالي تجعل مهمة تتبع التغيرات التي تحدث للمشيمة مهمة صعبة للجراثيم، عدا أن الجراثيم تحتاج مبدئياً إلى اختراق طبقتين من الخلايا قبل اختراق حواجز خلوبة أخرى لتتمكن في النهاية من النفاذ إلى الجنين وهما خلايا Cytotrophoblasts and syncytiotrophoblasts وهي أولى الخلايا التي تتشكل من البويضة المخصبة ، وخلايا syncytiotrophoblasts تحديداً هيZika Virus Associated with Microcephaly — NEJM 2016-02-16 19-40-35 الخلايا التي تكون على تماس مع دم الأم الحامل ولذلك تتميز عن غيرها بمقاومتها الكبيرة للجراثيم التي تحاول اختراقها، بل إن إحدى المتخصصات في بودكاست TWiV الشهير تراهن على أن أهم الدلائل التي تؤكد قدرة فيروس زيكا على إصابة الأجنة هي إثبات قدرته على اختراق هذه الخلايا الطلائية الجنينية syncytiotrophoblasts ، وتؤكد هذه الباحثة أنه على حد علمها لايوجد شيء – يمكن له أن يتضاعف – يستطيع اختراق هذه الطبقة من الخلايا! وحتى بالنسبة للجراثيم التي تصيب الأجنة فإنه ليس معروفاً حتى اللحظة الآلية الدقيقة لكيفية حدوث هذا!، ولتقدير كثافة هذه الخلايا فإن إحدى الدراسات قدّرت مساحة أسطح هذه الخلايا خلال فترة الحمل مابين 5 إلى 12 متر مربع لحظة الولادة!

على صعيد الدراسات البحثية التي تناولت الموضوع، أسلط الضوء هنا على الدراسة التي  نشرتها دورية The New England Journal of Medicine-NEJM المرموقة بتاريخ 10 فبراير 2016 وكانت تقريراً مختصراً ومهماً في نفس الوقت عن حالة مريضة حامل أصيبت بحمى زيكا بينما كانت تعمل في البرازيل وكانت حينها في الربع الأول من فترة حملها ومن ثم عادت إلى أوروبا وبعد إجراء الفحوصات أتضح أن الجنين يعاني من كثير من الأضرار من ضمنها ما يتعلق بالدماغ فقررت الأم إجهاض الجنين، واتضح بعد ذلك أن الجنين كان يعاني من حالة التشوه في الجمجمة والمعروفة بـ microcephaly، وعند تشريح جثة الجنين autopsy إتضح تأثر الدماغ بصورة كبيرة مع وجود جزئيات فيروسية كاملة تشابه فيروس زيكا عند الفحص بالمجهر الالكتروني (أنظر الصورتان أدناه)

وهذه النتيجة تحديداً أضفت على الدراسة أهمية كبيرة لأنها الأولى من نوعها التي تكشف عن وجود جزئيات فيروسية كاملة في أنسجة الدماغ.

Image Credit : www.nejm.org

Image Credit : www.nejm.org

Image Credit: www.nejm.org

Image Credit: www.nejm.org

وكشفت الدراسة كذلك عن وجود كمية كبيرة من الحامض النووي الفيروسي viral genomic RNA في أنسجة الدماغ وليس في أية أعضاء أخرى! وعند إجراء الفحص الوراثي للحامض النووي كاملاً إتضح أنه مشابه لعزلات فيروس زيكا المعزولة حديثاً في البرازيل بنسبة 99.7%، ولم يظهر على جثة الجنين أية تغيرات أخرى ولم يظهر أيضاً من خلال الكشف وجود جراثيم ممرضة أخرى، ومع هذا فإن هذه الحالة لا يمكن أن تشكل دليلاً دامغاً على أن الإصابة بالتشوه من نوع microcephaly سببها الأساسي والوحيد هو الاصابة مقدماً بفيروس زيكا!، لأسباب عديدة سوف أتطرق لها في موضع آخر في هذه التدوينة، لكن ينبغي عموماً أن نضع في الاعتبار أن الاستجابة المناعية والجهاز المناعي لدى الأجنة لا يكون ناضجاً بالقدر الذي يكون عليه الوضع لدى البالغين ولا حتى لدى الأطفال الصغار.
بعض علامات الاستفهام المعتبرة ما زالت قائمة فيما يخص علاقة حالات microcephaly بفيروس زيكا! من قبيل لماذا لم تظهر حالات microcephaly إلا في البرازيل حتى اللحظة؟ وكذلك فإن كثير من الأرقام التي تقدمها التقارير العلمية أو الاخبارية حتى اللحظة لا تُقدم التفصيلات المتعلقة بتلك الارقام! مثل أين تتركز هذه الحالات في أي ولاية! أو مدينة! أو مستشفى! وحتى فيما يخص تقدير احتمالات إصابة الاجنة بالتشوهات في حال إصابة الامهات الحوامل بفيروس زيكا! لأنه لا يُتصور أن احتمال إصابة كل أم حامل بفيروس زيكا مع إصابة جنينها بالفيروس سوف سيكون 100%!! (عى اعتبار ثبوت العلاقة بينهما) ولذلك فإنه يبدو عموماً أن المحصلة حتى اللحظة تدل على أن مسؤولية فيروس زيكا المباشرة عن تشوهات الجمجمة لدى الأجنة مازالت حالة المتهم حتى تثبت براءته!

ماهي إمراضية فيروس زيكا ؟ أو ماالذي يحدث على المستوى الخلوي ؟

ما زالت المعلومات المتعلقة بامراضية Pathogenicity فيروس زيكا شحيحة، لكن فيروسات مجموعة flaviviruses ومن ضمنها فيروس زيكا وبسبب أنها تنتقل بصورة رئيسية بواسطة البعوض فإن أهدافها الأولية تتركز في الأنسجة تحت طبقة الجلد والمحيطة بموضع اللدغة مثل خلايا skin fibroblasts و epidermal keratinocytes و dendritic cells ومن ثم تنتقل الى الخلايا اللمفاوية المجاورة ثم الاوعية الدموية.
ومع أن السلالات الحالية من فيروس زكيا لا تسبب إصابات خطيرة وتعتبر معظم الحالات محدودة التاثير mild and self-limited لكن لا ينبغي الاستهانة به كثيراً، لأن هذا يُذكر بوضع مشابه لفيروس شقيق من نفس عائلة زيكا ألا وهو فيروس حمى غرب النيل كان في بداياته لا يُسبب اصابات خطيرة حتى حدث التحول وأصبح سبباً لحالات تفشي خطيرة في رومانيا وشمال أمريكا.
يُذكر أيضاً أن حالات التفشي لحمى زيكا والتي ظهرت في بعض جزر المحيط الاطلنطي مابين 2013 – 2014 ، أعقبها ارتفاع في عدد حالات مرض عصبي نادر في هذه الجزر يُطلق عليه Guillan-Barre Syndrome – GBS وتتسم طبيعته بمهاجمة الجهاز المناعي للأعصاب الطرفية، حيث أن ظهور هذه الأعراض بعد الاصابة بفيروس زيكا عزز من إحتمال أن هذا الفيروس ربما يصيب الخلايا العصبية Neurotropic Virus ويتضاعف داخلها!، في المقابل فإن وجهة النظر الأخرى تشير إلى أن هذه الأعراض العصبية GBS لا تحدث بالضرورة بسبب الفيروس ذاته – على اعتبار وجود علاقة – ولكنها تحدث بصورة غير مباشرة بسبب أثر الجهاز المناعي على الأعصاب الطرفية.

وعلى كل حال فإن فهم آلية حدوث المرض بسبب هذا الفيروس بحاجة إلى “حيوان تجارب” مناسب يوفر للفيروس إمكانية النمو ، بالنسبة لفيروس زيكا فإنه لا ينمو إلا إذا تم حقنه داخل أدمغة intracelebral فئران التجارب.

كيف يمكن علاج حمى زيكا ؟

ليس هناك علاج لهذه الحمى الفيروسية المعتدلة ومحدودة التأثير غالباً وعادة ما يعتمد العلاج على التعامل مع أعراض الاصابة مثل تناول مسكنات الألم وخافضات الحرارة و مضادات الهيستامين للطفح الجلدي والكثير من السوائل لتفادي الجفاف، وكذلك الخلود إلى الراحة التامة.

كيف يمكن الوقاية من حمى زيكا؟

Image Credit: wikimedia.org

Image Credit: wikimedia.org

الاجراءات الوقائية التي تمنع الاصابة بفيروس زايكا ليس من ضمنها تناول لقاح لأنه لا يوجد حتى الان لقاح واق، لكنها تشمل كل إجراء يمكن من خلاله تغطية أكبر قدر ممكن من سطح الجلد لتفادي لدغات البعوض الناقل للفيروس، والأهم من هذا لابد أن تتركز حملات التوعية والتفتيش التخلص من كل مايمكن أن يكون ملائماً لتجمع كمية مياه ولو في كوب بلاستيكي تستغلها البعوض لوضع بيضها ومن ثم التكاثر.

وكذلك فإن حملات إبادة البعوض الناقل Mass extermination of mosquitoes تُعد من الأساليب الوقائية الفعالة لو تم تطبيقها بكفاءة عالية وهذا للأسف لايحدث في كثير من الأحيان!، لكن الأمر لايخلو من قصص نجاح كما حدث مثلاً في الخمسينات من القرن العشرين في أمريكا تحديداً عندما تم إبادة هذا النوع من البعوض بسبب الحملات التي كانت تستخدم المبيد الحشري الشهير DDT – dichloro-diphenyl-trichloroethane والذي منعت استخدامه الولايات المتحدة لاحقاً كونه يؤدي إلى كثير من الأضرار للبيئة المحيطة وللكائنات الحية التي تتعرض له وفي مقدمتها الإنسان وما يسببه من أضرار متنوعة من أخطرها بعض أنواع الأورام السرطانية وكونه أيضاً من أسباب حدوث العديد من وفيات الطيور حينئذ! ، بالإضافة إلى أن البعوض أصبح للأسف مقاوماً لهذا المبيد!، والمدهش أن مقاومة البعوض لهذا المبيد على المستوى الجيني تضمن له أيضاً مقاومة مجموعة أخرى cross-resistance من المبيدات الحشرية يطلق عليها Pyrethroids وتعتبر أكثر أماناً من مبيد DDT.
إلا أن منظمة الصحة العالمية ما زالت تسمح باستخدام هذا المبيد ضمن برنامج يُطلق عليه Integrated Vector Management-IVM لمقاومة أجناس البعوض الناقل للعديد من الأمراض مثل تلك التي تسببها مجموعة فيروسات Flaviviridae، وفي الواقع فإن مبيد DDT ما زال مستخدما في بعض دول العالم لكن لا يُعرف على وجه التحديد إن كان استخدامه في هذه الدول يخضع لتوصيات أو برامج منظمة الصحة العالمية أو أنه يُراعي مسألة مقاومة البعوض لمثل هذا النوع من المبيدات من خلال المتابعة العلمية وتقصي أثر المبيد في القضاء على هذه الأنواع من البعوض أم لا! وبالتالي لايمكن بأي حال أن تُترك مثل هذه الحملات من دون متابعة وإشراف علمي من المتخصصين في مختلف المناطق التي تعاني من انتشار الأمراض التي ينقلها هذا النوع من البعوض!

DDT Spraying Image Credit : www.panna.org

DDT Spraying
Image Credit : www.panna.org

ومع هذا فإن حملات إبادة البعوض الناقل لفيروس زيكا بالمبيدات الحشرية الحديثة أو غيرها من الأساليب ليست أمراً في المتناول تحقيقه كما قد يظن البعض!
في البداية ومع أن البعوض الناقل ظهر في أفريقيا أولاً لكنه انتقل إلى العديد من المناطق حول العالم حاملاً معه الفيروسات التي يعتبر الناقل الرئيسي لها كما وضحت أعلاه، ومع تنفيذ الكثير من حملات الإبادة لهذا البعوض الناقل في مختلف دول العالم التي لم تنجح لأسباب مختلفة، يستأنف هذا المخلوق الصغير نشاطه ليتكاثر بقوة في كل مرة تتوقف فيها هذه الحملات!.
هذا الجنس Aedes من البعوض الناقل لهذه الفيروسات يتميز عن غيره من أجناس البعوض بأنه لا يحتاج إلى مسطحات مائية كبيرة ومفتوحة ليتكاثر بل إنه يحتاج لقطعة بلاستيك تتواجد فيها كمية قليلة من الماء ليضع بيضه فيها! وبالتالي تظهر تماماً صعوبة السيطرة على أماكن تواجده لتنوعها الكبير ، إضافة إلى أنه يتميز كذلك مقارنة بغيره أنه ينشط في النهار على عكس أجناس البعوض الأخرى التي تنشط في الليل، وهذا يعني أن فترة نشاطه توافق فترة نشاط الإنسان وحركته اليومية مما يزيد كثيراً من إحتمال تعرض الإنسان للدغ البعوض، بالإضافة إلى أن هذا الجنس من البعوض أصبح مقاوماً للمبيدات الحشرية.

وهنا يأتي دور الشركة البريطانية Oxitec وإنتاجها من البعوض المعدل وراثياً Genetic Modified Mosquitoes والتي تدعي الشركة أنها عدلت جيناً وراثياً في ذكور هذا الجنس من البعوض بحيث يمكن أن يقود في النهاية إلى موت البعوض self-destructive gene ، أطلقت الشركة مئات الآلاف من ذكور بعوضها المعدل وراثياً لتلتقي مع إناث البعوض الطبيعية فإذا حدث التزواج استطاعت الذكور نقل الجين المدمر للأجيال التالية التي سوف تموت بسبب وجود هذا الجين!

Distribution of Aedes aegypti in the Americas

Distribution of A. aegypti in the Americas Image Credit: CDC

وفي الحقيقة فإن التجارب العملية أظهرت نتائجاً مشجعة، حيث أدت إلى القضاء على 80% من البعوض الطبيعي من نوع Aedes aegypti في إحدى المدن البرازيلية بفاعلية أكبر مما تقوم به المبيدات الحشرية ومن دون أن تتضرر البيئة المحيطة بسبب استخدام المبيدات الحشرية، لكن نسبة 20% المتبقية قد تكون كافية لضمان بقاء انتقال الفيروس وانتشاره! كما أن المحصلة النهائية من اعتبار القضاء على البعوض الناقل سوف يقود في النهاية إلى القضاء على انتشار فيروس زيكا والفيروسات الأخرى تبقى مجرد توقع و احتمال لم تتضح معالمه ولم تظهر آثاره بعد! بالإضافة إلى أن وجود أنواع أخرى من نفس جنس البعوض الناقل يجعلها مرشحة لتولي مهمة نقل هذه الفيروسات ومن ضمنها فيروس زيكا، مع ملاحظة إضافية تتلخص في أن ذكور البعوض المعدل وراثياً تموت سريعاً ولا تتحمل الظروف المحيطة كثيراً مما يجعل الشركة المنتجة تحت ضغط إنتاج المزيد من هذه الأنواع المعدلة وراثياً.
التقنية التي تستخدمها Oxitec ليست الوحيدة، بل هناك شركات ومجاميع بحثية أخرى تهتم بإنتاج أجناس بعوض معدلة وراثياً للقضاء على العديد من البعوض الناقل للعديد من الأمراض الجرثومية.

بالنسبة لإنتاج لقاح واقي فإنه ينطبق على لقاح فيروس زيكا المحتمل ما ينطبق على غيره من اللقاحات التي يتطلع الباحثون إلى إنتاجها، فمثلاً ليس بالضرورة أن ينجح اللقاح في العمل بصورة صحيحة لدى البشر لو نجحت تجاربه الأولية في الحيوانات! وحتى على مستوى الزمن فإن الوقت الذي يتطلبه إنتاج لقاح يستغرق عادة 20 سنة!
وبما أن تركيب فيروس زيكا مثله مثل بقية الفيروسات من ناحية وجود الغطاء البروتيني فإن الهدف الأولي لأبحاث اللقاحات تتركز حول الغطاء البروتيني واكتشاف أي اجزاءه تحديداً من الممكن أن يثير جهاز المناعة؟، وبما أن فيروس زيكا يتبع نفس الجنس Flavivirus الذي تتبعه مجموعة فيروسات أخرى تناولتها الجهود البحثية بصورة مكثفة فإنه من الممكن الاستفادة من الأبحاث السابقة لاختصار الوقت في البحث عن مثل هذه البروتينات التي تثير الجهاز المناعي في الغطاء البروتيني الفيروسي، وفي الواقع فإن وجود لقاحات فعلية لفيروس الحمى الصفراء وحمى وادي غرب النيل وحمى الضنك مؤخراً يشكل قالباً template يمكن أن يكون أساساً لإنتاج لقاح فيروس زيكا.
الخطوة التالية بعد اكتشاف هذه البروتينات هو تكوين مادة اللقاح عبر تثبيط أو “قتل”! كامل الجزيئي الفيروسي عن طريق الحرارة أو استخدام مادة كيميائية معينة! بشرط أن لا تؤثر هذه المعالجة في البروتين المتوقع إثارته للجهاز المناعي!، هذا الأسلوب هو نفس ما كان متبعاً في أول لقاح لفيروس شلل الأطفال عام 1950 الذي اكتشفه الأمريكي Jonas Salk وهذا النوع من اللقاحات هو الأبسط والأكثر أماناً! لأنه لا يمكن للفيروس في هذه الحالة أن يستعيد قدرته الإمراضية مرة أخرى ويسبب إصابة مرضية للإنسان بدلاً من أن يقيه من المرض الأصلي، لكن مساوئ هذا النوع من اللقاحات تتلخص في أن مستوى الاستجابة المناعية الذي ينتج عنها ليس قوياً بما يكفي، ولا يستمر لفترة طويلة ويتطلب جرعات منشطة booster doses مع مرور الوقت.
من الممكن أيضاً من خلال أسلوب آخر لانتاج اللقاحات عزل الجين المسؤول عن إنتاج البروتين الذي يعتقد إثارته للجهاز المناعي ومن ثم إنتاج كميات كبيرة من هذا البرويتن معمليا عبر الجين المعزول وتوفيره كمادة لقاح مثلما يحدث مع لقاح فيروس التهاب الكبد (بي) hepatitis B vaccine.
الأسلوب الثالث يتمثل في استخدام الفيروسات المضعفة أو الموهنة Attenuated viruses بحيث يبقى الفيروس قادراً على إثارة الجهاز المناعي من دون أن يحدث إصابته المعروفة لأن قدرته الإمراضية قد تم التخلص منها أو التقليل منها إلى أبعد مدى عن طريق تعديل تركيبته الوراثية مثلاً والتلاعب بجيناته وهذا الاسلوب هو المتبع مع لقاح فيروس شلل الأطفال الفموي oral polio vaccine ، وعادة ما تعطي هذه اللقاحات مستوى استجابة مناعية أقوى لكن مع وجود مخاطر محتملة من اكتساب الفيروس الموهن لطفرات يستعيد من خلاله ضراوته المرضية.
وتتلخص فكرة الأسلوب الرابع في اللقاحات في نزع الغطاء البروتيني لفيروس زيكا وتثبيته على فيروس آخر غير مصنف بأنه من الفيروسات الممرضة أو تثبيته على جزئي لقاح فيروس مشابه، الجزيئي الفيروسي الجديد يطلق عليه عادة مصطلح Chimeric vaccines وهو أسلوب تم استخدامه مع فيروس حمى الضنك شقيق زيكا، ويطلق بعض المختصين على هذا النوع من اللقاحات لقب Frankenstein Virus.
بعد تبني أحد هذه الأساليب في إنتاج اللقاح معملياً تبدأ مرحلة اختباره على حيوانات التجارب لتقييم قدرته على إنتاج الأجسام المضادة المطلوبة وهي مرحلة تستغرق أسابيع أو شهور ، فإذا تخطى اللقاح مرحلة حيوانات التجارب تبدأ مراحل اختباره سريرياً على البشر بمرحلة أولى Phase I clinical trial  لاختبار إلى أي مدى يعتبر اللقاح المنتج آمناً Vaccine Safety ، ثم تليها المرحلة الثانية Phase II clinical trial التي تقيس قدرة اللقاح على الوقاية من المرض على أرض الواقع ويمكن من خلال هذه المرحلة أيضاً تحديد الجرعة الفعالة من اللقاح most effective dose ، لتليها المرحلة الأخيرة Phase III clinical trial التي يتم اختبار اللقاح فيها على مدى أوسع من البشر المتطوعين ومن ثم يمكن تقديم اللقاح كمنتج للهيئات المتخصصة لاستصدار الموافقة الرسمية على انتاجه واستخدامه مثل هيئة الغذاء والدواء الامريكية ، هذه الخطوة الأخيرة فقط التي يترتب عليها الحصول على الموافقة النهائية تستغرق في أمريكا شهوراً وقد تصل لسنوات.
لذلك يشير أحد المختصين أنه من غير المتوقع انتاج لقاح لفيروس زيكا خلال فترة الوباء الحالي، وأن الوضع يختلف عن فيروس إيبولا على سبيل المثال حيث أن الباحثين حينها كانوا قد قطعوا شوطاً كبيراً لإنتاج لقاح ضد إيبولا قبل أن يظهر الوباء الأخير من إيبولا في أفريقيا بسبب أن أوبئة إيبولا قد حدثت قبل هذا لأكثر من مرة في أفريقيا، بالنسبة لفيروس زيكا فإن الوضع يبدو أقرب إلى كون الباحثين مازالوا يراوحون مكانهم في المربع الأول إن صح التعبير بسبب أنها المرة الأولى التي ينتشر فيها الفيروس بهذا الشكل!.

ولكن هناك إشارات مشجعة BN-EY658_Sanofi_E_20141010165612من قبيل ما أعلنه الدكتور Anthony Fauci مدير المعهد الوطني الامريكي للحساسية والامراض المعدية NIAID أن لدى المعهد مركبين محتملين لانتاج لقاح زيكا اعتماداً على الدراسات التي أنجزت على الشقيق الأكبر لزيكا ألا وهو فيروس حمى غرب النيل West Nile virus وأن هذا اللقاح لم يُنتج في السابق لعدم اهتمام شركات الدواء واللقاحات! لكن الموضوع مع فيروس زيكا مختلف تماماً!

وفي الحقيقة فإنه من الواضح أن هناك سباقاً محموماً بين شركات الدواء واللقاحات العالمية للظفر بالأسبقية في إنتاج مثل هذا اللقاح للاستفادة المحتملة جداً من عوائده المادية الهائلة!

dengvaxia

dengvaxia

ويقود  هذا السباق عملاق اللقاحات الفرنسي شركة Sanofi خصوصاً وأنها قد أنتجت للتو لقاح فيروس الضنك Dengvaxia الذي استغرق منها 20 سنة لانتاجه وتكلفة تزيد عن المليار ونصف المليار دولار وحصلت الشركة على رخص استخدامه في دول مثل البرازيل ذاتها والمكسيك والفلبين، ويمكن تخيل وجود ما يسمى بتداخل الاستجابة المناعية cross-immunity بسبب الصلة الوثيقة بين الفيروسين الشقيقين: الضنك وزيكا! وربما يمكن الاعتماد على لقاح الضنك كقالب لتطوير لقاح زيكا كما يقول مسؤولو الشركة.

لكن أحد المختصين يشير إلى أن هذا التشابه يضيف إلى صعوبة إنتاج لقاح زيكا بعداً إضافياً! حيث أن الباحثين عليهم أن يختبروا ما إذا كان لقاح زيكا المحتمل سوف يعمل جيداً أو بطريقة مختلفة لدى الأشخاص الذين لديهم مناعة ضد حمى الضنك بسبب إصابتهم السابقة أو بسبب تلقيهم للقاح فيروس الضنك من قبل؟ من ناحية أخرى عليهم كذلك اختبار ما إذا كان اكتساب مناعة ضد زيكا بسبب تناول اللقاح سوف يؤثر بشكل ما على الاستجابة المناعية ضد حمى الضنك عند أولئك الذين لم يتعرضوا لأي من الفيروسين من قبل؟

Pharmaceutical and Biotech Company Bharat Biotech International Ltdشركة  NewLink Genetics الامريكية أعلنت أيضاً أنها تعتبر نفسها في ذات السباق لانتاج لقاح زيكا، بالاضافة إلى عدة شركات أخرى ليس آخرها الشركة الهندية Bharat Biotech التي أعلنت أنها تمتلك بالفعل مركبين محتملين للقاح زيكا وأنها في مرحلة التجارب ما قبل السريرية Pre-clinical trial stage

 

كيف يمكن تشخيص حمى زيكا ؟

Image Credit: bbc.com

Image Credit: bbc.com

الفترة التي يتواجد فيها الفيروس في الدورة الدموية والتي تُعرف بـ viraemic period أو بـ Initial Acute Phase of Infection تعتبر قصيرة نسبياً، بل إنها أقصر مما يحدث مع فيروس حمى الضنك بـ 10 إلى 100 مرة! لكنها قد تطول نسبياً عند الحوامل، لكنها رغم قصرها عموماً فإنها تسمح بالكشف عن وجود الفيروس مباشرة في الدم خلال 3 إلى 5 أيام الاولى من ظهور الاعراض عن طريق الحامض النووي أو الاجسام المضادة للفيروس، ويمكن تبعاً لذلك تشخيص الفيروس باختبار RT-PCR للكشف عن الحامض النووي الفيروسي من نوع RNA في البول بعد 10 أيام من ظهور الاعراض، وكذلك فإن هناك اختبار ELISA للكشف عن الاجسام المضادة من نوع IgM في الدم بعد اليوم الخامس تقريبا من ظهور الاعراض.
وهنا سؤال للمهتمين بعلم المناعة! يمكن أن يظهر من التشخيص للأجسام المضادة في الجنين المصاب وجود تلك الأجسام من نوع IgM أو من نوع IgG! ما دلالة وجود أياً من نوعي الأجسام المضادة؟؟ وهل يمكن الاعتماد على مثل هذا التشخيص في معرفة هل أصيب الجنين بالفيروس أم لا؟
المشكلة الكبرى أن تشخيص حمى زيكا من الممكن بسهولة أن يختلط بتشخيص حمى الضنك بسبب أنهما وثيقي الصلة ببعضهما ويحدث بسبب ذلك ما يسمى بـالتفاعل المختلط cross-reactivity، وهذه المشكلة تحدث عموماً بين أفراد الجنس كاملاً لكنها أكثر وضوحاً بين فيروسي زيكا والضنك، وهذه الإشكالية تحدث على مستويين عند فحص التراكيب الانتيجينية المحتملة لكلا الفيروسين أو عند فحص الأجسام المضادة المنتجة ضدهما، ليس هذا فقط بل إن التشخيص السريري لهما متشابه كثيرا، فيمكن نظرياً أن تحدث حالات إصابة بفيروس زيكا في المجتمعات التي تستوطنها حمى الضنك من دون أن يظهر أن هناك اختلافات كبيرة في الاعراض لدى المصابين!
وكذلك فإنه لا يمكن نظرياً إلغاء احتمال وجود إصابات مزدوجة بأكثر من فيروس من المجموعة التي تنتقل عن طريق لدغ البعوض من نفس الجنس.

 test kit for the Zika virus at Genekam Biotechnology AG in Duisburg, Germany Image Credit : REUTERS/INA FASSBENDER

test kit for the Zika virus at Genekam Biotechnology AG in Duisburg, Germany
Image Credit : REUTERS/INA FASSBENDER

وهذا الأمر يشير بدوره إلى وجود حاجة ماسة لاختبار او أداة تشخيصية تستطيع التفريق بين الفيروس المسؤول suspected virus وبين الفيروس الذي من الممكن أن يعطي نتيجة ايجابية للتفاعل فقط cross-reacting virus، لكن بعض المتخصصين يشيرون إلى أن الحصول على إختبار تشخيصي من هذا النوع لحل مثل هذا التضارب في النتائج يكاد يكون مستحيلاً حتى مع التقدم الهائل في التقنيات المتاحة!
لكن أحد التقارير الاسبوعية الأخيرة MMWR لمركز مكافحة الأمراض الأمريكي CDC تناول فحص 4 حالات: لجنينين وُلدا مصابين بحالة microcephaly في البرازيل من اثنين من الأمهات المصابات وتُوفيا بعد الولادة بقليل، وحالتا إجهاض لجنينين آخرين، وفُحصت أنسجة الأجنة الأربعة في مركز CDC وتحديداً أنسجة الدماغ والحبل السُري باستخدام التثبيت بالفورمالين والغمر بمادة البارفين formalin-fixed,paraffin-embedded (FFPE) tissue samples وتم اختبار وجود دلائل لفيروس زيكا باستخدام reverse transcription polymerase chain reaction  RT-PCR وماتم استهدافه هو الجينات المسؤولة عن إنتاج أحد بروتينات الفيروس بالإضافة إلى الغطاء البروتيني nonstructural protein 5 and envelope genes ، وكذلك تم إختبار وجود الأجسام المضادة للفيروس باستخدام طريقة immunohistochemistry using a mouse polyclonal anti-Zika virus antibody التي اُستخدمت من قبل للكشف عن الاجسام المضادة لفيروس انفلونزا الخنازير H1N1 ، وظهرت نتائج RT-PCR إيجابية في الأربع حالات وتحديداً فيما يخص أنسجة الدماغ، وعندما تم إختبار نفس الحالات لوجود فيروس Dengue الشقيق لفيروس Zika ظهرت النتائج سلبية.

FFPE Samples Image Credit:qiagen.com

FFPE Samples
Image Credit:qiagen.com

وهذا التقرير الحديث جداً February 19, 2016 ربما يكون الأول من نوعه الذي وثق أهمية اختبار الحالات المشتبه بها بالكشف عن كلا الفيروسين زيكا والضنك لفك ارتباط ما يٌعرف عنهما من تداخل في النتائج، إلا أنه مع هذا ليس مؤكداً لربط حالات microcephaly بصورة نهائية مع الإصابة بفيروس زيكا! لأسباب من ضمنها أن عدد الحالات هنا لا يسمح بالجزم أن بقية الحالات المشتبه بها سوف تكون نتائجها مماثلة، وسبب آخر هو أن النتائج هنا لا تدل على علاقة السبب بالنتيجة cause-effect relationship! بمعنى أنه ليس واضحاً أن تشوه الجنين من نوع microcephaly  حدث بسبب الإصابة بالفيروس! إذ ربما يكون الأمر متعلقاً بأن هذه الأجنة مرت بحالات مرضية معينة أدت إلى تشوه الجمجمة microcephaly ولم يُكشف عنها النقاب بعد، أو أن هذه الحالات أو الاضطرابات قادت لوضعية تكون فيها المشيمة معرضة بشكل كبير لاختراق الفيروس وتركزه في أنسجة الجنين! خصوصاً وأن طبيعة أنسجة المشيمة وقدرة الجراثيم على اختراقها ليست مفهومة تماماً، كما أن طبيعة الحاجز المعروف بالدماغي الدموي Blood-Brain Barrier في الأجنة ليست معروفة كذلك على وجه التحديد بل إن بعض التقارير العلمية تشير إلى أن هذا الحاجز الذي يمنح الدماغ حصانة إضافية ضد الجراثيم لا يكون مكتمل النضج عند الأجنة!

ماالذي نحتاجه فعلاً لتأكيد علاقة فيروس زيكا بحالات التشوه microcephaly بصورة لا تحتمل الشك؟ على اعتبار أن حالات تشوه الأجنة هذه أضافت بعداً أو رعباً إضافياً على المشكلة ككل؟ 

يحتاج المتخصصون والمهتمون بحمى زيكا معرفة تفاصيل دقيقة فيما يتعلق بالأرقام المعلنة خصوصاً تلك التي تتحدث عن حالات التشوه للأجنة، أو ربما توحيد المصطلح الخاص بتقدير حالات التشوه هذه، والبدء في استبعاد كل الحالات التي ليس لها علاقة بفيروس زيكا، وكذلك هناك حاجة للعديد من التقارير أو الدراسات علمية المحكمة مثل التي تم الاشارة اليها آنفاً تثبت تشخيص الفيروس أو وجود الأجسام المضادة في جسم الجنين أو وجود جزئيات الفيروس بأكملها داخل الأجنة المصابة بحالات microcephaly ، بل إن هناك حاجة لمتابعة حالات الاجهاض المبكرة في المناطق الموبوءة ومعرفة هل الاجنة المجهضة مصابة بفيروس زيكا أم لا؟

Archivesلمزيد من الإدراك والفهم لفيروس زيكا أدعوكم للإستمتاع بحلقتين من البودكاست الشهير TWiV واللتان خُصصتا للحديث عن زيكا

TWiV 375: Zika and you will find

Vincent Racaniello

Vincent Racaniello

TWiV 376: The flavi of the week is Zika

بالإضافة إلى مراجع هذه التدوينة التي تجدونها عبر الروابط المبثوثة بها أو عبر الروابط التالية:

1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10، 11، 12، 13، 14، 15، 16، 17، 18، 19، 20

نلقاكم في أمان الله وحفظه…