الإثنين , 23 يناير 2017
استئصال الجدري: كيف حدث؟ وكيف يمكن تكرار النجاح مع الملاريا؟

استئصال الجدري: كيف حدث؟ وكيف يمكن تكرار النجاح مع الملاريا؟

Ian York

Ian York

تدوينة لها هدفان أساسيان، الأول: التعريف بالمدونة المميزة Mystery Rays from Outer Space للدكتور Ian York الذي يعمل رئيساً لمجموعة علم الفيروسات الجزيئي واللقاحات، المهتمة بفيروس الانفلونزا تحديداً في مركز مكافحة الأمراض الأمريكي CDC، والثاني: التعريف بالكاتب الأول في موقع Quora الرائع لمدة 3 سنوات متتالية ألا وهو الدكتور Ian York أيضاً.

باختصار استفيدوا من مدونته وحسابه في Quora.Ian York - Quora 2015-09-03 13-31-57

حسناً …

في تدوينة مختصرة لـ Ian York عن الجدري ناقش سؤالين: لماذا نجح العالم في استئصال مرض الجدري الفيروسي بالكامل ؟ وهل يمكن إعادة التجربة باستئصال مرض الملاريا ؟

إلى جانب الجدري هناك أمل كبير في استئصال أكثر من مرض معدي قد يكون أقربها منالاً هو شلل الأطفال، هناك أيضاً أمراض أخرى انخفضت معدلات حدوثها بسبب استخدام اللقاحات vaccination بصورة هائلة جداً مثل: الحصبة Measles، والخناق البكتيري Diphtheria، والحصبة الألمانية Rubella ، أو بسبب تطور أنظمة الصرف الصحي sanitation مثل الدودة الغينية  Dracunculiasis (فيديو) ، أو بسبب استخدام المضادات الحيوية مثل الجذام  leprosy
ماالذي مكن العلماء من تحقيق النجاح مع استئصال الجدري؟ وماهو المميز في لقاح الجدري ؟ وماالعوامل التي أدت إلى تقليل حالات الجدري من ملايين الحالات سنوياً إلى صفر ؟ وماالذي يمكن تطبيقه في حملات استئصال مستقبلية للتخلص من أمراض أخرى مثل الملاريا ؟

عموماً فإن عوامل النجاح التي توفرت لاستئصال الجدري ليست متوفرة لاستئصال الملاريا !
1) الجدري: عائله الوحيد Host هو الانسان! وليس له عائل آخر أو وسيط من الحيوانات أو الحشرات أو غيرها! فبالتالي لم يحدث مثلاً أنه عندما تم استئصال الجدري أنه عاود الظهور مرة أخرى بسبب وجوده في عائل آخر غير الإنسان .
2) الجدري كمرض لم يكن طور مستمر أو مزمن Persistent Phase: لأن فيروس الجدري كان إما أن يقتل المريض أو أن يتعافى المريض منه بصورة كاملة.
3) من تعافى من الجدري كان يحتفظ بمناعة طويلة الأمد ضد الإصابة به مرة أخرى
4) الجدري كان مرضاً مخيفاً جداً للمجتمعات التي أصابها! لدرجة أن الناس كانوا مستعدين للمخاطرة من أجل الوقاية منه لذلك كانت الجهود حثيثة ومتواصة للقضاء عليه

Smallpox vaccine injection

Smallpox vaccine injection

لقاح الجدري كان يتصف أيضا بخصائص منها:
1) اللقاح كان يحفز استجابة مناعية تبقى طويلاً long-term immunity، وقُدرت بـ 60 سنة تقريباً عن طريق جرعة واحدة فقط
2) تركيبة اللقاح كانت تحتفظ بثباتها لمدة طويلة مع سهولة النقل والتخزين والانتاج وكونها جرعة واحدة فقط، وبالتالي انخفاض تكلفة الانتاج بصورة كبيرة، وهذه عوامل ثانوية من قبيل الدعم “اللوجستي” لكنها حاسمة في نجاح أية حملة لاستئصال اي مرض
3) لقاح الجدري كان يترك أثراً واضحاً على الجلد (ندبة- scar) ساعد كثيراً في تحديد من تناول اللقاح ممن لم يفعل.

هذا لا يعني أنه لو لم تتوفر مثل هذه العوامل مع أمراض أخرى وفي لقاحات أخرى فإنه لا يمكن استئصالها! بل المقصود هو تسليط الضوء على العوامل التي سهلت القضاء على مرض الجدري.

في المقابل فإن الملاريا تختلف عن الجدري فيما يلي:
1) اتضح مثلاً أنه يمكن أن تصاب القرود معملياً بطفيل الملاريا، وهذا يعني نظرياً أنه يمكن أن يلجأ طفيل الملاريا إلى ما يشبه “المخزن الاحتياطي الحيواني” Animal Reservoir للهروب من ضغط حملة تلقيح فعالة، ليتمكن بعد انتهاء الحملة من معاودة الظهور مرة أخرى Reinfection !
2) الملاريا لها طور مزمن يستمر مع المصاب لفترات طويلة قد تستغرق حياته كلها، ويمكن أن تتوفر للمصاب في هذا الطور مناعة جزئية من المرض إن صح التعبير ، أشبه ما تكون بالتعايش المستمر بين المصاب والطفيل خصوصاً في المناطق التي يستوطنها الطفيل لأزمان طويلة ، مثل هؤلاء الأشخاص المصابين لا تظهر عليهم عادة أعراض واضحة للملاريا ويكون بإمكانهم نقل المرض للآخرين، مما يشكل مصدراً آخر يتيح للمرض معاودة الظهور مرة أخرى Reinfection بعد انتهاء حملة التلقيح!
3) الاصابة بالملاريا لا تستحث مناعة تقي من عدم الإصابة بها مرة أخرى Protective Immunity !
4) آخر محاولة فاشلة لاستئصال الملاريا كلفت مليارات الدولارات والعامل المالي هنا له أثر كبير في وجود الدافع لدى الدول والهيئات المهتمة لمعاودة الدعم المالي لإطلاق حملة استئصال جديدة.

Bill and Melinda Gates Foundation

Bill and Melinda Gates Foundation

الحملة التي دشنتها منظمة بيل جيتس وزوجته لاستئصال الملاريا هي حملة طموحة ولكن العقبات امامها لتحقيق هذا الحلم كبيرة جداً، أدركتها مبكراً Melinda Gates عندما حددت أربع مراحل لهذه الحملة: الحد من انتقال الطفيل من شخص إلى آخر، تقليل أعداد البعوض الناقل للطفيل قدر الإمكان، محاولة منع الإصابة بالمرض أو ظهور الأعراض لمن أصابته لسعات البعوض، ثم محاولة الحد من انتقال طفيل الملاريا مرة أخرى من المصابين إلى البعوض الناقل مرة أخرى.
من الممكن للقاح متعدد الأغراض أن يساعد في القضاء على الملاريا من خلال المراحل الأربعة السابقة، لكن الجهود المطلوبة هائلة ، والاطلاع على الابحاث العلمية التي تغطي كل مرحلة من هذه المراحل هو أمر ممتع كثيراً.

ألقاكم على خير في تدوينة أخرى.