الأربعاء , 22 فبراير 2017
السرطان : الرصاصات السحرية ! (1)

السرطان : الرصاصات السحرية ! (1)

هذه التدوينة الثانية التي أتناول فيها بشيء من التفصيل الفيلم الوثائقي الرائع  Cancer: The Emperor of All Maladies ، وكنت قد قدّمتُ في التدوينة الأولى (السرطان : إمبراطور الأمراض !) لقصة الفيلم وأهميته العلمية والمعرفية ، وأتناول في هذه التدوينة والتي تليها الجزء الأول من الفيلم والمعنون: بالرصاصات السحرية ، في إشارة إلى الأساليب العلاجية التي استخدمها الانسان عبر التاريخ للقضاء على مرض السرطان ، وكانت الآمال في كل مرة منوطةً بأحد هذه الأساليب كعلاج مثالي أو “رصاصة سحرية” إن جاز التعبير للقضاء على مرض السرطان، لكن بعد زمن طويل من بدء صراع الإنسان مع السرطان يبقى هذا الصراع مستمراً ومتردداً بين الأمل والخيبة والنجاح والفشل.

مهمة هذه التدوينات تسليط الضوء على هذه الاساليب العلاجية كما لخصها الفيلم ونقلها للعربية لإثراء المحتوى العربي العلمي عن مرض السرطان ورفع مستوى الوعي بتفاصيل وأسرار صراع الإنسان مع هذا المرض، مع إستطرادات يحتاجها السياق أحياناً لتبسيط فكرة أو توثيق معلومة.

الإحصائيات المرعبة !
Globocan 2012 - Home 2015-09-01 10-44-15مشروع GLOBOCAN project التي تقوم عليه منظمة الصحة العالمية أصدر آخر إحصائيات رسمية مفصلة عام 2012 بمعدلات حدوث وانتشار والوفيات الناتجة من أهم أنواع السرطان في 184 بلداً حول العالم.
عموماً مازال السرطان أحد أسباب الوفاة الرئيسية عالمياً، اعتماداً على هذه الإحصائيات فإن هناك 32.6 مليون مصاباً بالسرطان عالمياً حتى 2012 ، توفي منهم 8.2 مليوناً ، وتقدر عدد الحالات الجديدة من السرطان حتى عام 2012 بـ 14 مليون حالة ! ويُتوقع أن تزيد الحالات الجديدة من المصابين بالسرطان بنسبة 70% خلال العقدين القادمين! على سبيل المثال يصيب السرطان 1.7 مليون امريكي سنوياً يموت منهم 600 ألف (35%).

ماهو السرطان ؟
السرطان ليس مرضاً واحداً! ولايمكن تصنيفه على هذا الأساس!
إنما هو  أمراض عديدة يبدأ كل منها بنفس الطريقة: نمو لا يمكن السيطرة عليه لخلية ما، في نسيج ما، داخل جسم الانسان، ثم تبدأ هذه الخلايا المتكاثرة بصورة غير طببيعية بالتوسع والنمو على حساب الخلايا الطبيعية.
هذا التعريف المبسط لا يحكي كل القصة ! فهي بالغة التعقيد !

ولا يستطيع هذا التعريف المبسط الإجابة عن أسئلة جوهرية من قبيل ..
كيف تنشأ الخلية السرطانية؟ ولماذا؟ وأين ؟ ومتى؟
من المهم معرفة أنه ليس هناك عوائق أمام السرطان ليصيب أي شخص ولا يوجد نظرياً شخص محصن ضد السرطان!
وتنوعت التساؤلات حول السرطان مع مرور الزمن وتقدم العلم
فكانت البداية من قبيل هل السرطان لعنة؟ أم سحر؟ أم عين؟
هل يمكن استئصاله ؟ أو حرقه ؟ هل يمكن تسميم الخلايا السرطانية ؟ هل يحدث بسبب فيروس ؟
هل يأتي من خارج الجسم ؟ أم أن العدو يكمن داخل أجسامنا ؟

مشكلة السرطان الأزلية كظاهرة مرضية هي صعوبة فهم كيفية حدوثه على وجه التحديد!
ولهذا فإن السرطان ظاهرة مرضية تستدعي الفهم وتتطلب الفحص والتدقيق ، لكنه كلما حاولت تجزئتها وتقسيم تفاصيلها، كلما ظهر حجم التعقيد الهائل بها، بدءاً من تكاثر الخلايا غير المنضبط وانتهاءاً بالأسباب الخفية! التي تقود هذه العملية من بدايتها !

الإشارات والفرضيات التاريخية!
▶ Cancer The Emperor of All Maladies Episode 1 Magic Bullets - YouTube 2015-08-15 01-32-26أول اشارة تاريخية للسرطان ظهرت في السجلات الفرعونية قبل 4000 سنة لطبيب قام بتعداد أنواع الأمراض في عصره وسرد الأدوية المخصصة لعلاج كل مرض وأمام حالة إحدى المصابات بانتفاخ في الثدي لم يسجل وجود أي علاج لهذا الانتفاخ! ، وهكذا فإنه لقرون عدة ارتبط مرض السرطان بعدم وجود علاج للمصابين به!

Galen - Biography, Facts and Pictures 2015-09-01 10-40-01

Galen

الفرضيات القديمة للمتخصصين في علاج الأمراض في العصور القديمة كانت تعتمد مثلا على مفهوم أنه حتى نبقى أصحاء فلابد من حصول نوع من التوازن في أجسامنا بين أربعة سوائل أو عصارات، وأن الزيادة الكبيرة أو النقصان الكبير في إحدى هذه العصارات يؤدي للأمراض المختلفة ومن بينها السرطان
ففي القرن الميلادي الأول على سبيل المثال أشار الطبيب الروماني Claudius Galenus إلى أن السرطان ينتج بسبب زيادة افراز العصارة السوداء في الجسم ، ولأن مثل هذ الافتراض كان تخيلياً لأنه لا يمكن رؤية هذا العصارة فقد أصبح هذا الافتراض مستخدماً بصورة شائعة في ذلك الوقت لوصف سبب حدوث أمراض مثل السرطان ببساطة لأنه لم توجد تفسيرات أخرى حينها!

Andreas Vesalius

Andreas Vesalius

وبقيت مثل هذه الفرضية صامدةً حتى سنة 1530م عندما قام عالم التشريح البلجيكي Andreas Vesalius بتصميم أول مخطط علمي لأعضاء الجسم الداخلية بعد تشريحه للكثير من الجثث البشرية بحيث نسف كل الأفكار السابقة بوجود العصارات الأربعة!

إسهامات علماء الإسلام
لم يتطرق الفيلم بالطبع لإسهامات علماء المسلمين في هذا الإطار ، وهنا أشير باقتضاب إلى جانب بسيط منها وأزعم أنه بمزيد من البحث وبالذات من المتخصصين في تاريخ العلوم من المسلمين سوف نكتشف الكثير والكثير من الإسهامات التي قدمها علماء الإسلام في مجال السرطان.

300px-Avicenna-miniatur

ابن سينا

فابن سينا (370 هـ/980م — 427 هـ/1037م) في كتابه القانون أشار إلى (القواعد الرئيسية لجراحة السرطانات. في مراحل ثلاث هي: الاكتشاف المبكر، ثم الجراحة المبكرة، فالاستئصال التام)

bsa14

الزهراوي

ويذكر عميد الجراحين المسلمين أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (325 هـ/ 936م — 404هـ/ 1013م) في كتابه التصريف (متى كان السرطان في موضع يمكن استئصاله كله كالسرطان الذي يكون في الثدي أو في الفخد ونحوهما من الأعضاء المتمكنة لإخراجه بجملته، إذا كان مبتدءاً صغيراً فافعل. أما متى تقدم فلا ينبغى أن تقربه فاني ما استطعت أن أبرئ منه أحدا. ولا رأيت قبلى غيري وصل إلى ذلك). ووصف العملية قائلا: (ثم تلقى في السرطان الصنانير التي تصلح له ثم تقوره من كل جهة مع الجلد على استقصاء حتى لا يبقى شيء من أصوله واترك الدم يجري ولا تقطعه سريعا بل اعصر المواضع ما أمكنك)

العلاج الجراحي!

Rudolf Carl Virchow

Rudolf Carl Virchow

في عام 1855 قام عالم الأحياء الألماني Rudolf Carl Virchow بإضافة مهمة على نظرية الخلية بقوله: أن الخلية هي وحدة الحياة في كلا الحالين الصحة أو المرض ، وأن كل خلية سليمة أو مريضة يكون مصدرها خلية سليمة في الأساس!
هذه الإضافة الجديدة على نظرية الخلية الحية غيرت فهم المهتمين والمتخصصين لمرض السرطان وكيف يمكن أن ينشأ؟ وكان هذا يعني أن كل خلية سرطانية أتت في الأساس من خلية طبيعية حدثت لها تغيرات ما، قادتها للحالة السرطانية
هذه النظرية فتحت الباب واسعاً أمام ثورة في العلاج الجراحي للقضاء على الأورام السرطانية، إعتماداً على الافتراض بأنه إذا كانت الخلايا السرطانية هي خلايا غير طبيعية فإنه يمكن القضاء عليها باستئصالها أو استئصال الأنسجة التي تحتويها،

William Stewart Halsted

William Stewart Halsted

وأعطى التقدم الحاصل في العمليات الجراحية في مجالات التخدير والتطهير والعمليات النظيفة، لهذا الاسلوب بُعداً آخر وهكذا كانت بداية العصر الذهبي للعلاج الجراحي للأورام السرطانية عام 1868 مع رائده الجراح الأمريكي William Halsted في مدينة نيويورك، وكانت فلسفته لعلاج السرطان قائمة على الافتراض بأن علاج السرطان بالاستئصال الجراحي لا يتم بصورة صحيحة! لأن الجراحين لا يبذلون وسعهم في هذا الإطار ولا يُؤدون ماعليهم بصورة كاملة لأنهم لا يقومون باستئصال كل ما يمكن استئصاله من الورم لتظهر فائدة الاستئصال الجراحي بصورة أفضل!

William Halsted
وبحلول عام 1890 أصبح William Halsted كبير الجراحين في مستشفى جون هوبكنز في بالتيمور وكانت معظم عملياته الجراحية على حالات المصابات بسرطان الثدي الذي كان أحد أهم اسباب الوفيات بين النساء الامريكيات في السبعينات الميلادية، وكانت المصابات يعاودهن السرطان في مكان آخر من الجسم حتى بعد عمليات استئصال كامل الثدي، وفسر William Halsted أن هذا يحدث بسبب أن عمليات الاستئصال لا تحدث بالطريقة المطلوبة.

▶ Cancer The Emperor of All Maladies Episode 1 Magic Bullets - YouTube 2015-08-15 03-56-27وأفترض أن الورم السرطاني يبدأ عادة من نقطة مركزية في الثدي ومن ثم يتوسع وينتشر لبقية الجسم، ولهذا فإنه اقترح أنه كلما كان الاستئصال الجراحي للورم السرطاني في الثدي واسعاً بصورة كافية لإلغاء كل احتمال في بقاء أية آثار للخلايا السرطانية كلما كان هذا الأمر أفضل في علاج المصابين، وكلما تلاشى احتمال حدوث مضاعفات مميتة!

وهكذا بدأت خطوات طريقته! ..▶ Cancer The Emperor of All Maladies Episode 1 Magic Bullets - YouTube 2015-08-15 07-34-08
ماذا لو أستأصلت العضلات الموجودة أسفل الثدي ؟
والغدد اللمفاوية الموجودة في محيط الثدي !
في أسلوب أشبه مايكون بالحفريات excavation في منطقة الثدي!

وكأنه كان يبحث عن أقصى مدى يمكن أن يصل له مشرط الجراح !
وأطلق William Halsted على طريقته إسم الاستئصال الجذري للثدي Radical Mastectomy وكان الاستئصال يتم بصورة جذرية بالفعل بحيث لا يتبقى في منطقة الثدي سوى الأضلاع! وبحيث يحدث تشويه كبير لمنطقة الثدي!
إلا أن هذا الأسلوب الجراحي نجح في إنقاذ حياة الكثير من المصابات بسرطان الثدي ممن لم ينتشر الورم لديهن خارج نطاق الثدي.
ولأنه في البداية لم يُتقن أسلوب William Halsted الجراحي إلا قليل من الجراحين ! فقد كانت بالتيمور حيث كان يقيم William Halsted ويؤدي عملياته قبلة للكثير من الجراحين الذين يريدون أن يتعلموا هذا الاسلوب الجراحي الجديد في استئصال الاورام السرطانية في الثدي.
ومع التوسع في إتباع هذا الاسلوب الجراحي في علاج سرطان الثدي بدأ الكثير من الجراحين خلال النصف الأول من القرن العشرين وعلى مستوى العالم في إتباع نفس الاسلوب في الاستئصال الجذري للثدي بل وتنفيذه بمستوى أعمق ومع أنواع أخرى من الاورام السرطانية ، وأصبحت الفكرة الشائعة لدى جراحين الأورام السرطانية أنه كلما كانت عملية الاستئصال أكبر كلما كان احتمال التخلص من حالات الأورام الأصعب كبيراً !
وانتشر هذا الاسلوب لدرجة أنه أصبح طابعاً عاماً للجراحين في ذلك الوقت قيامهم بصورة روتينية بعمليات استئصال الثدي، ففي السبعينات الميلادية مثلاً أُجريت عمليات استئصال الثدي جذرياً لما يقارب 40 ألف من المصابات بسرطان الثدي سنوياً ! واستمر هذا الأسلوب الجراحي لمدة 75 سنة !
ولم يكن ظاهراً وجود خيارات أخرى لهذا الأسلوب الجراحي أو أن الوضع العام يشي بإمكانية التفكير في أسلوب جراحي آخر!
بل إن هذا الأسلوب العلاجي من الكشف والجراحة كان سريعاً بحيث أنه كان يُطلب من المصابة التوقيع على إقرار قبل العملية بأن الجراح إذا وجد أن حالة الورم سرطانية بإختبار عينة نسيجية فسوف يقوم بالاستئصال فوراً من دون الحاجة إلى ترتيب عملية جراحية أخرى ! وكانت المصابات يستسلمن لهذا الأسلوب الجراحي من دون أي نقاش!
بل كُنَّ يَعرفنَ بحالتهن بعد العملية اذا استيقظت إحداهن ثم نظرت إلى الساعة فلو انقضت 3 ساعات فأكثر من بدء العملية فهذا يعني أن الحالة كانت سرطاناً! وإن كانت أقل من ساعة فهذا يعني أنها غير مصابة به!

Cancer The Emperor of All Maladies Episode 2 The Blind Men and the Elephant - YouTube 2015-08-21 07-40-42ومع هذا فقد كانت هناك مشكلة مع أسلوب الاستئصال الجراحي هذا !
لأن ثلث المصابات اللواتي خضعن للاستئصال الجذري كان يعاودهن السرطان مرة أخرى ، وبدلاً من التفكير في أساس فكرة العلاج كان الجراحون يبادرون في حالة فشل الجراحة الاولى بالقول بأنهم لم يسـتأصلوا ما يكفي من الأنسجة المصابة! وأن المريضة بحاجة الى استئصال المزيد من الانسجة المحيطة بالثدي!

وهكذا ظهر أن هناك حدوداً لما يُمكن أن يُنجزه هذا الأسلوب الجراحي في علاج المصابين! وأن هذا الأسلوب الجراحي تحديداً لم يكن هو الجواب الكامل والشافي لعلاج السرطان!
وبدأ الجراحون يبحثون عن الأسباب التي تجعل هذه الحالات تعاودها الأورام السرطانية بعد تطبيق عملية الاستئصال الجراحي بصورة جذرية ! وظهر أن هناك حاجة إلى أسلوب جراحي مختلف ينتج عنه تشويهٌ أقل مع نتائج أفضل.

Bernard Fisher
Cancer The Emperor of All Maladies Episode 2 The Blind Men and the Elephant - YouTube 2015-08-21 07-41-20هذا الوضع دعا جراحاً آخر هو Bernard Fisher لمحاولة التشكيك في أسلوب الاستئصال الجذري وكان يَفترض بدلاً من ذلك أن الورم السرطاني لا يتوسع من بؤرة مركزية كما كان الاعتقاد السائد، بل كانت فكرته تعتمد على الافتراض أن الخلايا السرطانية تَنفصل مبكراً من الورم الأصلي وتنتشر في الجسم عبر الدم أو السائل اللمفاوي إلى مناطق لا يَصِلُها مِشرط الجراح خلال عملية الاستئصال الجذري!
Cancer The Emperor of All Maladies Episode 2 The Blind Men and the Elephant - YouTube 2015-08-21 07-42-34وبالتالي فإن فرضية Bernard Fisher الجديدة محاولة لنقض فكرة “أن الورم السرطاني هو حالة موضعية” من أساسها! ووجه التفكير بمسار آخر يتعامل مع السرطان كمرض شامل وجهازي

وهكذا فإن Bernard Fisher أشار إلى أن الاستئصال الجذري لن يكون مفيداً في حالات المصابات اللواتي انتشر لديهن السرطان خارج الثدي، وفي نفس الوقت سوف يكون أسلوباً علاجياً مبالغاً فيه عند من أُكتشف لديهن المرض مبكراً، وأقترح بدلاً من ذلك جراحة استئصال محدودة أطلق عليها Lumpectomy يستأصل فيها الورم لكنه يُبقي على الثدي كما هو.
Cancer The Emperor of All Maladies Episode 2 The Blind Men and the Elephant - YouTube 2015-08-21 07-41-55ولإثبات صحة نظريته بدأ دراسة سريرية قسم فيها حالات المصابات بسرطان الثدي عشوائياً إلى مجموعتين عُولجت الأولى بأسلوب الاستئصال الجراحي الجذري وعُولجت الثانية بأسلوب الاستئصال المحدود.
لكن أسلوبه أثار عاصفة من الجدل لأسباب عديدة من أهمها الاختيار العشوائي لأسلوب العلاج ! وانتقاد الكثير من زملائه للمغامرة التي يقوم بها من خلال تطبيق أسلوبه الجديد من حيث أنه يساوي بين إحتمالية فقدان المصابة للثدي مقابل إحتمالية فقدانها لحياتها !
ولأن Bernard Fisher كان عنيداً وفظاً في مقاومة منتقديه فقد كان يردد دائما “نحن نثق بالله، حتى نثق بالآخرين فلابد أن يظهروا مالديهم من معلومات !” In God we trust, all others must have data!
وكان يؤكد على معنى أن السرطان مشكلة علمية وليست مشكلة عقلية أو أخلاقية ، لذلك فإن المعلومات هي التي تحدد ماالذي يمكن أو لا يمكن فعله لمعالجة هذه المشكلة!
من أجل هذا واجه Bernard Fisher كثير من الانتقادات والصعوبات ليس أقلها رفض إعطائه للمنح البحثية المختلفة ، بل إنه واجه صعوبات في رفض كثير من الجراحين العمل معه!
وتعلق إحدى المتخصصات المشاركات في الفيلم على الوضع الذي مر به Bernard Fisher بالقول (أن الأشخاص في المؤسسات الأكاديمية أو العلمية وبالذات أولئك المسؤولين عن القرارات لا يتغيرون! وخاصة لو أثبت لهم الآخرون أنهم مخطئون ! إنهم حتى لا يتجرأون على الإقرار بالخطأ في دواخلهم !)
Cancer The Emperor of All Maladies Episode 2 The Blind Men and the Elephant - YouTube 2015-08-21 07-40-23لكن من حسن الحظ أن مجتمع المصابات بسرطان الثدي نفسه بدأ يلتفت حينها لجدوى عمليات الاستئصال الجذرية! بقيادة الصحفية Rose Kushner التي أُصيبت بسرطان الثدي في الخامسة والأبعين وأخبرها الجراحون وقتها بأنها تحتاج لاستئصال جذري للثدي، لكنها عندما بحثت عن الموضوع قادها بحثها لحملة شعواء على الجراحين الذين يتبعون هذا الأسلوب الجراحي كعلاج روتيني.
وهكذا بدأت المصابات يخترن أسلوب Bernard Fisher الذي استمر في تجربته العلمية في مقارنة الأسلوبين لمدة 10 سنوات ثم نشر النتائج لأول مرة عام 1985 حيث أظهرت بدون شك أن المصابات اللواتي يستأصلن الثدي بصورة جذرية لا يعشن أطول من اللواتي يستأصلن حدود الورم فقط، وهذا ما دعى BernaCancer The Emperor of All Maladies Episode 2 The Blind Men and the Elephant - YouTube 2015-08-21 13-33-54rd Fisher للقول بأن جراحة الاستئصال الجذري للثدي لم تعد خياراً جراحياً روتينياً للمصابات بسرطان الثدي.
وهكذا ساهمت جهود Bernard Fisher في إنهاء فكرة رئيسية في جراحة الأورام بأنه كلما زادت كمية الانسجة المستأصلة كلما كان العلاج أكثر نجاعة!

العلاج الإشعاعي!

Emil Grubbe

Emil Grubbe

في عام 1896 أشار Emil Grubbe وهو طالب طب أمريكي من شيكاغو كان عمره حينها 21 سنة، إلى أن إستخدام العلاج بأشعة إكس X-ray يمكن أن يساهم في القضاء على الأورام السرطانية التي لا يستطيع الاسلوب الجراحي التعامل معها إذا تم تركيز هذا النوع من الأشعة بطريقة معينة في منطقة الورم بحيث تعمل كمشرط غير مرئي Invisible Knife إن صح التعبير.
وقام Emil Grubbe بتجربته الأولى على مصابة بسرطان الثدي بتعريضها لأشعة إكس لمدة 18 ليلة على التوالي! بعدها بدأ الورم في التقلص!
بدأت بعد هذه التجربة موضة العلاج الاشعاعي بالانتشار بدون أي ضوابط! بل واعتُبرت حينها علاجاً إعجازياً للقضاء على الامراض السرطانية! من دون أن تكون هناك أي حدود لهذا النوع من المعالجة! على الرغم من إدراك Emil Grubbe حينها أن أشعة إكس ذات أثر سام على الخلايا السليمة لكنه كان يعتقد أن تعريض منطقة الورم فقط لأشعة إكس بصورة كافية سوف يساهم في إنقاذ حياة المريض بالسرطان!
واستفاد Emil Grubbe من الجهاز البدائي الذي استخدمه للعلاج بأشعة إكس لعلاج ما يقارب 75 مريضاً يومياً!! ▶ Cancer The Emperor of All Maladies Episode 1 Magic Bullets - YouTube 2015-08-15 07-36-31وتطورت هذه الاجهزة الاشعاعية وزادت قدرتها الاشعاعية لدرجة أن جامعة عريقة مثل ستانفورد كانت تستخدم جهازاً بقوة 6 مليون فولت لعلاج الاورام السرطانية!! على الرغم من الآثار الجانبية الواضحة التي كانت تظهر على المصابين الذين يتعرضون لهذه الاشعة من قبيل الحروق وحالات العمى بل وظهور الاورام السرطانية بسبب هذه الاشعة نفسها!
والمثير أن هذا الاسلوب كان مستخدما قبل 60 سنة فقط!! وأصيب Emil Grubbe نفسه بآثار هذه الاشعة حيث فقد يده وساعده وشفته العليا بسبب تعرضه المستمر لهذه الاشعة!!

Marie Curie

Marie Curie

ومما زاد من حدة فورة العلاج الإشعاعي، اكتشاف البولندية الحاصلة على جائزة نوبل Marie Curie لعنصر الراديوم المشع في أوائل التسعينات الميلادية، حيث قاد اكتشافها إلى صناعة هائلة في العلاج الاشعاعي! بحيث ظهرت المئات من العيادات التي تستخدم العلاج بالاشعاع للقضاء على الاورام السرطانية ! وكانت الجلسات العلاجية أشبه ما تكون بحفلات شواء للمصابين!
وهكذا كان الأمر ببساطة عبارة عن تجارب ومحاولات، احتمال الخطأ فيها وارد بشكل كبير، أصيب فيها من قام بالعلاج من الاطباء والمتخصصين بأنواع مختلفة من السرطانات مثل سرطان الدم، فضلاً عن ▶ Cancer The Emperor of All Maladies Episode 1 Magic Bullets - YouTube 2015-08-15 07-35-47المرضى المصابين بالأورام أساساً والذين زادت حالاتهم سوءاً! وبالطبع فمع فورة العلاج
الإشعاعي لم يكتشف أو لم يرغب أحد أن يكتشف حينها أن هذا النوع من العلاج الاشعاعي كان محفزاً قوياً لظهور الأورام السرطانية كمسرطنات قوية Potent Carcinogens

وهكذا فإن العلاج الإشعاعي كانت له حدوده التي لايمكن استخدامه بعدها، بل كانت إحدى المشاكل الأساسية المرتبطة بالعلاج الاشعاعي هي نفسها التي ارتبطت بالاستئصال الجراحي، وهي أن العلاج الاشعاعي من الممكن أن يكون ناجعاً طالما بقي الورم متموضعاً في منطقة محددة من الجسم ، وبمجرد أن يتوسع وينتشر الورم يصبح العلاج الاشعاعي عديم الجدوى.
وهكذا بدأ يظهر رويداً رويداً الحاجة الى أسلوب علاجي شامل Systemic Treatment من الممكن أن يساهم في القضاء على الأورام السرطانية التي تنتشر في أنحاء الجسم المختلفة، ومثل هذا الأسلوب الشامل كان ومازال هدفاً مستمراً للمتخصصين عبر مئات السنين للبحث عن علاج يتتبع الورم السرطاني وخلاياه أينما كانت داخل جسم الانسان.

ثم ماذا ……؟
اللمحات السابقة كانت لاستعراض ما ورد في الفيلم مما يخص الأساليب العلاجية التي مرت عبر التاريخ في لمحات سريعة ليس من مهمتها استقصاء التفاصيل التاريخية لعلاج معين، بقدر ما هي الرغبة في معرفة كيف تطور فهم المعالجين والمتخصصين والاطباء والباحثين للظاهرة السرطانية على اختلاف تقديرهم للأسلوب الأمثل في علاج السرطان ، لذا كان عنوان هذا الجزء من الفيلم هو : الرصاصات السحرية على اعتبار تقدير كل هؤلا لماهية العلاج الأمثل، ولكن التجارب التاريخية في هذا الصدد أثبتت وما زالت تُثبت أنه لا يوجد ما يسمى بالرصاصة السحرية لعلاج الورم السرطاني! ولو افترضنا أنه يمكن أن يوجد مثل هذا الأسلوب السحري في علاج السرطان فإن أهم مقوماته التي يجب أن يشتمل عليها : خاصية الانتقائية في التفريق بين استهداف الخلايا السرطانية والقضاء عليها، وبين عدم المساس غاية الإمكان بالخلايا السليمة!
هذا الهدف لا توفره بصورة مقبولة فضلاً عن أن تكون مثالية الأساليب العلاجية بجراحة الاستئصال الجذري أو العلاج الاشعاعي، وسوف يتضح عبر التدوينات القادمة كيف تطور فهم المختصين للظاهرة السرطانية بإتجاه البحث عن العلاج الانتقائي الذي يركز أقصى ما يمكن على التخلص من الخلايا السرطانية مع عدم المساس بالخلايا السليمة.

إلى تدوينة أخرى عن الرصاصات السحرية ….. أترككم في عافية تامة