السبت , 21 يناير 2017
البحث العلمي كمهنة …. لماذا ؟

البحث العلمي كمهنة …. لماذا ؟

383183560_4b344865fdSource of image: Flickmor

هذه التدوينة عبارة عن ترجمة بتصرف لمقالة Why do you do science كتبتها Victoria Aranda ، راقني موضوعها على الرغم من تنوع وجهات نظر الاخرين في الحكم على الافكار المطروحة ، إلا اني اترك للقارئ الكريم مساحة من التأمل الشخصي في وجهة نظر الكاتبة ، وهل يتوافق معها ام لا ، وفضلت أيضاً أن أحتفظ بوجهة نظري الشخصية حتى لا تطول التدوينة خصوصاً وأنها تتحدث عن بيئة البحث العملي وليس عن البحث العلمي ذاته ، فهي أجواء نفسية يطول الحديث عنها لو أردنا ……… ، تقول الكاتبة :

الكثير من الباحثين او العلماء العاملين في مجال البحث العلمي لديهم مشاعر مختلطة عن البحث العلمي كمهنة يكسبون عيشهم من خلالها ! ، والعديد ممن اعرفهم من هؤلاء يحلمون يومياً بالاستقالة من هذه المهنة ! ومثل هذا يتعارض مع الصورة المثالية عن هؤلاء والتي تعبر عن حال الباحث او العالم وتصوره كشخص ملتزم بمهنته ويحب عمله أكثر من أي شيء أخر !

ماالقصة إذن ؟ … هل يحب المشتغلين بالبحث العلمي مهنتهم بالفعل ؟….  وما هو أسوأ وفي المقابل ما هو أفضل ما في كونك باحثاً أو عالماً ؟

الاجابة على هذه التساؤلات ربما تحمل فائدة لمن يريد أن يعرف بالضبط أين مكانه من “الاعراب” أو من خارطة البحث العلمي بصورة أدق!. وما يلي هو رؤيتي الشخصية لأفضل وأسوأ جوانب العمل في بيئة البحث العلمي كما عايشتها – والكلام ما زال للكاتبة – ولا أخفي أنني كلما امعنت التفكير في هذه الجوانب كلما زادت حيرتي ! حيث أن أفضل جوانب البحث العلمي في نظري تعتبر الأسوأ في نفس الوقت ! وهذا قادني لصراع نفسي كي أقرر في كل مرة هل هذا الجانب أو ذاك من البحث العلمي محبوب بالنسبة لي أم لا ؟ .. أما ما تمخض عنه هذا الصراع فهو التالي:

1) جدول الأعمال المرن !

لدي – كباحثة علمية – جدول اعمال مرن جداً ، على الرغم من أن هذا الامر لايمكن تعميمه ! إذ أنه يعتمد على عوامل أخرى مثل رئيسك في العمل وظروف العمل نفسها ، لكني أظن أنه من المريح حقاً أن تستطيع التنسيق بحرية لما ينبغي عليك القيام به خلال يوم عمل واحد بدون أن تشعر بضغط العمل الذي يشعر به الاخرون! بالنسبة لي فإن هذا الامر يعني أنه باستطاعتي المجيء او الذهاب بين تجربة معملية وأخرى أو خلال مدة إنقضاء تجربة آلية تستدعي وقتاً طويلاً لينجز جهاز معين تجربة محددة ، وهذا يعطيني مساحة حرية كبيرة لانجاز كثير من الاعمال بعيداَ عن ساعات الذروة ، لكنه يعني أيضاً أنني أضطر في كثير من الاحيان ان اعمل في عطلة نهاية الاسبوع! ومن العجيب أن العديد من الباحثين يقضون أوقاتاً إضافية كثيرة في المختبرات وهم يتأملون حالتهم المزرية بانتظار نهاية تجربة معملية طويلة جداً .

2) تجربة شيء مختلف كل يوم !

وهذه إحدى الخصائص التي يتداخل فيها الرضا مع انعدامه في مهنة البحث العلمي ، الا وهو التجديد من خلال تجربة شيء مختلف كل يوم  !

نعم إنه لشيء مميز حقاً كيف أنه على الرغم من تكرار عمل تجربة معينة وبصورة روتينية أحياناً ، الا أن طبيعة البحث العلمي لا تشعرك بالملل لأنه في العديد من الاوقات فإن يومي في المختبر لا ينقضي دون أن أحاول أو أناقش أو أتعلم أو أكتشف شيئاً جديداً ، لكن هذه الخاصية المغرية في طبيعة البحث العلمي تحمل في طياتها شيئاً من الفوضوية التي تصطبغ بها حياتي كباحثة ! ولو على المستوى النفسي !

بل إني أقول أن الشخص المنظم لو مارس بعضاً من سنوات العمل داخل بيئة المختبرات لأصابه مس الفوضوية التي أتحدث عنها ! والتي من صورها أن الباحث في هذه الظروف لا يستطيع أن يخبرك على وجه التأكيد كيف سوف يكون وضعه الوظيفي خلال سنة أو ربما أشهر من اللحظة الراهنة !

لكن هذه الظروف يستطيع الباحث الاصيل التغلب عليها لانه تعود على الظروف المعاكسة التي تعبر عنها تماماً الصورة المثبتة في أعلى هذه التدوينة ! بل إن اللمسة المتحررة من القيود في أسلوب التفكير هي ما يميز الباحث ، وكذا فإن قدرته على التفكير “خارج الصندوق” هي صفة قياسية تميزه عن غيره بل إنها عادة تكون المتطلب الاساسي لمن يعمل في هذه المهنة، على الرغم من ان هذه الصفة قد تحمل في طياتها أحياناً الشعور بأنني أقوم بعمل شيء مميز ومهم ، وهو ما أقوم به بالفعل ،على الرغم من كل التفاصيل المملة التي قد تصاحبه !

3) التنافس والتعاون !

مما يضعني تحت الضغوط المستمرة أن أجد نفسي أعمل جنبا الى جنب مع أشخاص موهوبين للغاية ، لكنه من جانب اخر شعور مثير أن تعمل مع فريق من الخبراء ، لأن الطبيعة التفاعلية للعمل في بيئة البحث العلمي هي إحدى المميزات التي أستمتع بها مع أنها في ذات الوقت تشكل مصدراً رئيسياً للاختلافات والشكاوى بين الاطراف المختلفة!

في بيئة البحث العلمي يحدث دائما أن تجد نفسك منساقاً باختيارك او بدونه ! أن تشارك الاخرين تقريباً كل شيء ! الادوات والمواد والافكار والنتائج بل وحتى الانجاز ! وهو أمر يولد اختلافاً لا ينتهي وربما يمتد أحيانا قليلة ليولد درجة من الإحباط المبالغ فيه! وهو الامر الذي يحصل عندما أضطر مثلاً لاستخدام جهاز او أداة ما، وأجدها غير نظيفة او متعطلة أو ربما مختفية أصلاً ! بسبب ان الاخرين لم يكلفوا أنفسهم عناء الاهتمام قليلا ! ويبلغ الامر ذروته من الضغط النفسي عندما أضطر لوضع اسم شخص ما كمؤلف مشارك  في الدراسة التي سوف اقوم بنشرها بدون سبب وجيه ! ومن الطبيعي ان تحدث مثل هذه الامور في كل بيئات العمل ومن ضمنها بيئة البحث العلمي لكن الامر يصبح ذا اثار خطيرة لو وجدت نفسك تعمل في بيئة يسودها “قلة الاحترام” المتبادلة !

4) لفتات صغيرة !

ثمة أمور صغيرة أحبها في بيئة البحث العلمي من مثل فرص السفر لحضور المؤتمرات وحتى الشعور اللذيذ بالرضا عن الذات عندما تنجز شيئاً يفيد مجتمعك ! على الرغم من أني أضمن أن المجتمع لن يفهم عادة ماالذي تفعله ! ولن يقوم بتمويلك في كثير من الاحيان لاجراء ابحاثك ! مما يضطرك ان تبقى متيقظاً ومقاتلاً لتحظى بالفرصة تلو الفرصة لكي تستمر في المهنة التي احببتها ! وهو ما يبقيك أيضاً تحت الضغط النفسي لفترات طويلة !

5) المكافأة الحقيقية !

هي بالطبع تلك اللحظات القليلة من النجاح التي تكون فيها أول من يكتشف آلية حدوث امر ما أو طريقة علاج مرض ما ، وما يتبع تلك اللحظات من شعور بالرضا والانجاز عندما تؤكد اكتشافك بتجربة تأكيدية والشعور الاخير بالسعادة المريحة عندما تنشر نتائج دراستك او اكتشافك في احدى الدوريات العلمية ! وهنا أؤكد ثانية على قلة او ربما ندرة تلك اللحظات في مهنة البحث العلمي الا انني اعتمد عليها دوما وبصورة يومية  لاستحضار الرضا النفسي بما أقوم بعمله ! على الرغم من ان الواقع يخالف كثيرا هذا الاسلوب في التفكير ويجبرك على الشعور السلبي تجاه هذه المهنة ! عندما تشاهد كل اسباب الفشل المحتملة تقف امام فرص النجاح التي تلوح في أفقك كباحث!

6) اذا .. كيف يمكن التعامل مع هذه المتناقضات ؟

ربما أن الاسباب التي سوف تدعوك لترك العمل كباحث هي نفسها التي سوف تجعل شخصاً آخر يستمر في العمل كباحث ! وبالتالي فالمحصلة المريحة هي أنه أنت من يصنع القرار وأن قيمة المهنة ، أي مهنة، هو ما يمكن أن ينتج عنها من عمل مفيد !

ولابد لك في نهاية الامر أن تدرك أن استمرارك أو تركك لمهنتك كباحث لا يعني بالضرورة أنك لن تعود محباً للعلم الاحياء مثلاً أو أنك لن تعمل أبداً في أي مهنة له علاقة بالبحث العلمي، كل ما يمكن أن تستفيده من قرارك هو أن تحاول أن تكون ناجحاً في عملك بالحرص على إختيار أنسب المهن لقدراتك وشخصيتك.

وفي النهاية … هل يمكن إعتبار الاشتغال بالعلم والبحث العلمي نوعاً من الادمان ؟

غير العاملين في مجال البحث العملي يتسائلون دوماً عن طبيعة العمل داخل المعمل ! ويرغبون في معرفة ما يفعله هؤلاء تحديداً ! ويستغربون ما يلاحظونه على العاملين في هذا المجالات من اختلاف احكامهم واختلاط مشاعرهم بشأن الاستمرار في هذه المهنة من عدمه ! بل إن الاسباب التي يبديها العاملون في مجالات البحث العلمي لاظهار محبتهم لمهنتهم تكاد تكون نفس الاسباب التي يشيرون اليها لو سُألوا لماذا قد يكرهون مهنتهم !

وقائمة الاسباب التي يتفق عليها المحب والكاره قد تشمل:

– القدرة على الابداع

– غياب الروتين

– العمل بقرب الآخرين بل والتنافس معهم

– جدول الاعمال المرن

– التعليم المستمر

– العمل في اماكن مختلفة من العالم

– عمل شيء مفيد للانسانية

– الرغبة في الاكتشاف

– العمل في شيء تحب العمل فيه

– اللقاءات العلمية

– المنح البحثية

والقائمة تطول ، لكن الباحث العلمي يحتاج لتأمل هذه القائمة مرة أخرى ليقرر ما إذا كان يحب أو يكره العمل تحت هذه الظروف ! لأنه لو كان شعوره هو الثاني فعليه أن يفكر جدياً في الابتعاد عن هذه المهنة !

انتهى كلام الكاتبة بتصرف.

ولا تسألني عزيزي القارئ هل أن من المحبين او الكارهين للعمل في مهنة كهذه !

كل ما فعلته هنا هو تقديم وجهة نظر في مهنة البحث العلمي، وحتى لايُقال أن البيئة التي تتحدث عنها الكاتبة لا يعيشها الباحثون في المجتمعات الاسلامية العربية ، أقول على العكس إذ أن كثيراً مما ورد في المقال ينطبق على بيئة البحث العلمي لدينا على الرغم من استحالة المساواة بين ظروف البيئتين البحثيتين !

أترككم في أمان الله……