الخميس , 20 يوليو 2017
السرطان : إمبراطور الأمراض !

السرطان : إمبراطور الأمراض !

Cancer The Emperor of All Maladies Episode 1 Magic Bullets - YouTube 2015-08-15 01-29-57عنوان التدوينة ترجمة لعنوان الفيلم الوثائقي الرائع بأجزائه الثلاثة : Cancer: The Emperor of All Maladies ، والوثائقيات من أعظم الأدوات المعرفية والوسائط التعليمية الغائبة عن نظامنا التعليمي ، الجامعي وماقبله ومابعده !

بداية لابد من التأكيد على أنه من الصعوبة بمكان التعرض لموضوع شائك ومعقد مثل مرض السرطان* ومحاولة تتبع مراحل صراع الإنسانية مع هذا المرض والجهود المبذولة للقضاء عليه مع تنوعها وتعدد الجهات والهيئات المهتمة بأبحاث السرطان ، فضلاً عن ملاحقة إنتاج عشرات الآلاف من الباحثين والعلماء المهتمين بسبر غور هذا المرض بأشكاله وأنواعه المتعددة وفهم آلية حدوثه أو تحديداً فهم آلية حدوث كل نوع من هذه الانواع!
مثل هذا الأمر لا تطيقه هيئات متخصصة ولا دول بمفردها فضلاً عن أفراد معدودين ، والذي شاهد أو سوف يشاهد هذا الفيلم الوثائقي لابد وأن يخرج بانطباعات عامة عن خط سير الإنسانية مع هذا المرض أو على الاقل خط السير الخاص بالجهود التي سلط الفيلم عليها الضوء بحرفية مميزة ومهنية عالية.

أمر آخر يتعلق بطبيعة الطرح وخصوصاً الأسئلة التي يُراد من خلال الإجابة عليها بناء الفكرة العامة التي تتناول طبيعة مرض السرطان، فنوعية الاسئلة المطروحة من شأنها أن تقود لو أُحسنت الصياغة لفهم أفضل لطبيعة مرض السرطان.
وهكذا فمن المستحيل هنا أن يتفق من يتناول هذا الموضوع على قائمة معينة من الاسئلة المتعلقة بالموضوع!
الباب مفتوح على مصراعيه لإعمال الفكر وقدح الذهن وهو ما يميز رصانة الطرح وقوته ، فالمبدأ هنا -في ظني- يتعلق بعدد الاسئلة التي يحاول الطرح العلمي أن يجيب عليها ويقربها إلى ذهن القارئ ، لكنه لا يكتفي مطلقاً بالعدد بل لابد أن يواكب ذلك تميزٌ في نوعيتها وقربها من الهدف المنشود لفهم أفضل وأمثل لهذه الظاهرة.

Cancer - The Emperor of All Maladies 2015-08-19 12-33-02

من الطبيعي أيضاً أن يضيق فيلم وثائقي مهما تعددت أجزاؤه عن استعراض كل الجهود المبذولة في هذا الاطار ، لكن هذا لا يمنع من الإشادة بحبكة الفيلم وترابط أجزائه وتقديمه بطريقة شيقة حيناً أو مؤثرة أحياناً أخرى طوال لحظات الفيلم.
وبالذات عندما ينجح الفيلم وبتميز ومن خلال استعراض الجهود العلمية أن يُدخل بعض التجارب الشخصية الهامة والقصص المؤثرة لمن أصيب بهذا المرض وكيف تعامل معه؟ وكيف تم العلاج؟ وهل نجح أم لا ؟
ويتميز على مستوى آخر بربط هذه القصص بعد أن يُجزأَ مشاهدها خلال أجزاء الفيلم الثلاثة بمقاطع صغيرة! ليضمن أمرين في ظني: استمرار جذب المشاهد لتتبع كامل أجزاء القصة ، والثاني ليدلل على آثار الجهود المبذولة والحلول العلاجية المطروحة بما يحدث في الواقع من خلال تتبع حالات بعض من أصيب وأصبحت حالته مثار جدل أو اهتمام الاعلام

من مزايا هذا الفيلم الوثائقي أيضاً أنه يتقدم خلال مشاهده المختلفة من خلال مسارات متعددة : مسار الاكتشاف ، مسار الأساليب العلاجية المختلفة ، ثم يستضيف العديد من الشخصيات العلمية للتعليق على أجزاء الفيلم وتبسيط الفكرة العلمية، ومنم من شارك بالفعل في مسيرة مرض السرطان عالمياً ومازال على قيد الحياة ، ثم يستعرض جهود الاطباء والجراحين ، وجهود العلماء والباحثين ، وجهود الحكومات والجهود المجتمعية ، وكما أسلفت يضيف إلى كل هذا مسار القصص المشهورة لمصابين ارتبطت قصصهم بأحداث ساهمت في فهم الانسان للظاهرة بصورة أعمق ، وأؤكد هنا أن روعة هذا الفيلم تكمن في أنه لا يبدأ أحد هذه المسارات لينهيه! بل يقتطع منه جزءاً ثم يتوقف لينقلك إلى مسار آخر ثم يعود لجزء من قصة لمصاب ليأخذ منها جزءاً ثم يتوقف ليبدأ مسار آخر وهكذا … وهو بصدق أسلوب مذهل يجبرك على الارتباط بالفيلم واجزائه بحيث لا تملك إلا أن تتسمر أمام الشاشة بفضول لمعرفة ما هو الحدث التالي في المسار الفلاني او القصة الفلانية

لماذا يبدو مفيداً تسليط الضوء على الفيلم وترجمة أفكاره للعربية ؟

من أهم الاسباب قلة المحتوى العربي الذي يتناول ظاهرة مرض السرطان ويبسطها لقرَّاء العربية فضلاً عن أن يواكب المحتوى الانجليزي الذي يتناول نفس الظاهرة !
حسناً …
قد أكون قليل الإطلاع على مثل هذا المحتوى العربي لو كان جدلاً يواكب المحتوى الانجليزي ، لكن يبقى هدف إثراء هذا المحتوى العربي بتنوع وجهات النظر هدفاً مشروعاً وواجباً يستلزم من المتخصصين الاهتمام به ، وهو ما أسعى اليه في هذه السلسة من التدوينات

Ken Burns

Ken Burns

من الواضح كما يقول منتج الفيلم Ken Burns أنه يختلف عن الوثائقيات الاخرى التي تناولت مرض السرطان –وهي عديدة في موقع اليوتيوب – في أنه حاول استعراض الصراع التاريخي بين الانسان والسرطان في إطار عالمي وليس أمريكي فقط ، كما أنه أضاف تأصيلاً علمياً مميزاً لأحداث الفيلم ، أحد الدوافع الرئيسية التي دعت Ken Burns لإنتاج الفيلم هو وفاة والدته بسبب إصابتها بسرطان الثدي

Lyla Burns Mother of Ken Burns

Lyla Burns Mother of Ken Burns

واجتهد القائمون على الفيلم ومن بينهم مخرجه Barak Goodman في عقد اللقاءات التعريفية وحلقات النقاش والمقابلات التي تناولت الفيلم من قبل متخصصين وباحثين وهذا ما زاد من قيمة الفيلم وأهميته ومدى تقبل الأوساط العلمية والطبية لما ورد فيه ، وهذا الأمر يعطي دلالة أخرى على قيمة “الترفيه الجاد” لدى هؤلاء القوم -إن جاز التعبير- لو اعتبرنا أن الفيلم موجه للمجتمع ككل ويحاول أن يقدم مادة إعلامية تجتذب المشاهد العادي ويكون من ضمن أهدافها التوعية بمرض السرطان.
وفي أحد لقاءات النقاش المفيدة حول الفيلم كان الحديث يدور حول الأخبار التي تظهر هنا وهناك بين الحين والآخر عن اكتشاف لقاح للسرطان والتي ينبغي أن يتم التعامل معها من خلال معطيات محددة، هذا النوع من الأخبار لا ينتهي ولا يمل المرضى من سؤال الاطباء عنها ، والمتخصصون في الغرب يشيرون إلى وسائل الاعلام بأصابع الاتهام في كونها تجعل من المصابين بالسرطان ضحايا لما تبثه من تضليل إعلامي ولو افترضنا أنه غير متعمد ، لكنه يحدث بسبب الصنعة الإعلامية التي يحكمها في أغلب الأحوال الدافع الاقتصادي الذي يبحث عن المكسب والمكسب فقط!
فعندما يُقال مثلا أن هذا اللقاح أو ذاك فعال في 99% من الحالات فإن المتخصص يعلم بأن هذا الوضع غير منطقي بسبب بسيط يتعلق بأن التقنية التي يُمكن أن تحقق هذه النسبة من الاستجابة ليست متوفرة بعد.

Barak Goodman

Barak Goodman

لذا فمن المفترض أن الوسائل الاعلامية التي تعرض هذه الاخبار يتوفر لديها محررون متخصصون حاصلون على درجة علمية في التخصص حتى تتم الصياغة بطريقة تُخفف من المبالغة الاعلامية قدر الامكان !
والسؤال هل يحدث هذا في وسائل الاعلام ؟؟
الاجابة للأسف أن هذا الأمر لا يحدث عادة ، والصنعة الاعلامية تطغى على الصياغة العلمية إلا اذا كان الاعلامي ذو خلفية علمية ذات علاقة بالموضوع ، وهذا يمكن أن يحصل في وسائل الاعلامية الاحترافية! ووصف الاحترافية هنا لا أظنه ينطبق إذا تعلق الأمر بالأخبار العلمية على كل الإعلام العربي!
تحدث المبالغة في كثير من الاحيان! نعم ،
لكن عامل التصحيح الأهم أصبح مرتبطاً بوسائل التواصل الاجتماعي التي اقتحمها علماء متخصصون يفندون هذه المبالغات الاعلامية فوراً وبشكل رائع في معظم الاحيان!
المؤسف ان هذا الوضع لا يحدث في وسائل الاعلام العربية عادة! وإن كانت وسائل التواصل الاجتماعي باللغة العربية أصبحت عين الرقيب غير التقليدية في هذا الإطار وبدأت تؤدي دوراً جيداً، لكن عموماً فإن التواجد العلمي المتخصص في وسائل الإعلام العربي ليس أمراً يتمتع به المتابع العربي فضلاً عن أن يتواجد العلماء العرب المتخصصون على وسائل التواصل الاجتماعية لتفنيد هذه المبالغات في حينها كما يحدث في العالم الغربي أو كما يتمتع به من يتحدث الانجليزية!

تناول المناقشون أيضاً حقيقة أن الترابط والتواصل بين مراكز البحث والمؤسسات والهيئات المتخصصة في أبحاث السرطان على المستوى العالمي هو أعمق كثيراً مما نتصور!
للأسف تبقى رؤيتنا القاصرة كمتابعين من العالم العربي على هذا المستوى من التعاون الدولي غير متخيلة بسبب بؤس واقع التعاون البحثي بين المؤسسات العلمية العربية حيث ينطبق عليهم للأسف الشديد معنى الآية الكريمة (كل حزب بما لديهم فرحون)!

أشار المناقشون كذلك إلى بعض المفاهيم العلمية المتعلقة بمرض السرطان فيما يتعلق مثلاً بأن الصراع في أساسه يحدث داخل جسم الإنسان بين الخلايا السرطانية والجهاز المناعي ، وهذا الجهاز يتعامل مع مئات الآلاف من المشاكل اليومية التي يحتاج للتصدي لها.
كما أنه من المهم جداً فهم طبيعة الخلايا السرطانية … فهذه الخلايا لا تقوم فقط بالتضاعف بمعدل أسرع من الخلايا الطبيعية بل إن طبيعة الخلايا السرطانية المتضاعفة تتغيير باستمرار بسبب نزوعها “لتغيير جلدها” تحسباً للحرب المستمرة بينها وبين الجهاز المناعي ، فالصعوبة التي تواجه الجهاز المناعي في مشهد تضاعف الخلايا السرطانية تكمن في أمرين : سرعة الانقسام وتغيير جلد الخلايا السرطانية باستمرار.
كما أشار المناقشون إلى تحول النظرة لفهم ظاهرة السرطان من خلال الاسئلة التي أصبحت تُطرح حول المرض والتي باتت تركز على ما يحدث داخل الجسم! بعد أن ظلت دهراً طويلاً تركز على ما يمكن أن يأتي من خارج جسم الانسان كحلول في البحث عن طرق أو مواد علاجية يمكن لها ان تقضي على الخلايا السرطانية من دون تجشم عناء البحث عن طبيعة الخلايا السرطانية وتفاعلها مع البيئة الداخلية في جسم الإنسان.

Siddhartha Mukherjee

Siddhartha Mukherjee

بقي أن تعلم أيها القارئ الكريم/ القارئة الكريمة أن الفيلم اعتمد بصورة كبيرة على كتاب للدكتور Siddhartha Mukherjee يحمل عنوان : (السرطان : إمبراطور الأمراض – سيرة ذاتية للمرض) The Emperor of All Maladies: A Biography of Cancer حصل به على عدة جوائز من أهمها جائزة Pulitzer Prize عام 2011، وتُرجم الكتاب إلى 11 لغة، واعتبر الكتاب ضمن قائمة الكتب المائة الأكثر تأثيراً والتي كتبت بالانجليزية منذ عام 1923 حسب صحيفة التايم الأمريكية، ويعمل الدكتور Siddhartha Mukherjee أستاذاً مساعداً في جامعة كولومبيا في علم الدم والسرطان، وله العديد من الأبحاث العلمية المنشورة ، ويظهر طوال أجزاء الفيلم الثلاثة معلقاً على كثير من المشاهد والأحداث ، وتجد له كذلك مقابلات مفيدة حول موضوع الكتاب.

ماذا عن الدعم المقدم للفيلم والجهات الراعية له ؟
لك أن تعرف أن الجهات الراعية للفيلم بلغت 14 جهة متنوعة مذكورة بالاسم في بداية كل جزء من أجزائه الثلاثة ! قارن هذا بوضع الجهات الراعية في العالم العربي للأحداث المتنوعة ! وطبيعة الأحداث والمناسبات التي تجذب الرعاة في بلداننا العربية !

وهكذا فإن أساس التدوينات التالية هو هذا الفيلم الوثائقي وما أثير فيه وحوله، وجهدي فيه يتلخص في نقل أهم ما ورد فيه للعربية وتبسيط المفاهيم العلمية للقارئ والاستطراد في المواضع التي رأيت أنها تستحق الاستطراد والدافع الأهم الذي يحدوني هو إثراء المحتوى العربي المتعلق بهذا الظاهرة وتبسيط المفاهيم العلمية المتعلقة بها لأجيال الناطقين بالعربية.

وإلى لقاء في التدوينة التالية مع إمبراطور الأمراض ، عافانا الله وإياكم

تدوينات ذات علاقة :
الخلايا الجذعية ونخاع العظم والسرطان .. تقاطعات مناعية !

أمل جديد …… لمعضلة مستمرة !!

قصة “لـــــقـــاح” … لم يكتمل !!

لقاح ضد السرطان … لكنه يعمل !!

السرطان : هذه الكلمة ترجمة لكلمة Cancer الانجليزية ذات الأصل الاغريقي carcinos والتي تشير إلى السلطعون البحري Crab بسبب أن الامتدادات التي تكونها الخلية السرطانية تشبه إلى حد ما تلك التي يمتلكها هذا النوع من القشريات البحرية.