الجمعة , 24 نوفمبر 2017
كيف الدواء ؟ ومن طبيبي دائي !

كيف الدواء ؟ ومن طبيبي دائي !

هل تناول المضادات الحيوية بصورة متكررة واستخدام مفرط يزيد من فرص الاصابة بالعدوى الجرثومية والبكتيرية تحديداً؟

الجواب المختصر هو للأسف : نعم !!

و يأتي التفصيل من الدكتور Martin Blaser الرئيس السابق لجمعية الامراض المعدية الامريكية ، ومؤلف كتاب (الجراثيم المفقودة!! : كيف يؤدي التناول المفرط للمضادات الحيوية لظهور أوبئة عصرنا الحالي !) “Missing Microbes: How the overuse of antibiotics is fueling our modern plagues.”  missing microbes

في عام 2010 فقط ، صُرفت 258 مليون وصفة مضاد حيوي في أمريكا! بمعدل 833 وصفة لكل 1000 شخص ! وهو معدل مرتفع جداً ، عدا كون الكثير من هذه الوصفات غير ضروري أساساً! لأنه على سبيل المثال: فإن 20% فقط  من العدوى التنفسية تحدث بسبب الجراثيم البكتيرية ، ومع ذلك فإن إلحاح المرضى وتساهل الأطباء يؤدي إلى وصف العلاج بالمضادات الحيوية لحالات مرضية لا تستدعي عادة هذا النوع من العلاج.

لذا فالسؤال المنطقي: ماذا يحدث إذاً عند تناول مضاد حيوي في الوقت الذي ينبغي عليك أن لاتفعل ؟
والأسوأ .. ماذا يحدث عندما تسرف في تناول عدة وصفات من المضادات الحيوية على مدار السنة ؟

الذي يحدث ببساطة أنك تجعل من نفسك عرضة للإصابة بالعدوى الجرثومية ، وليس العكس!
كيف يحدث هذا ….. ؟

يقدم الدكتور Martin Blaser  ثلاثة دلائل بحثية تؤكد لهذا الوضع المقلوب !

الدليل الأول:
مبنيٌ على دراسة قديمة 2،1  قام الباحثون فيها بتغذية مجموعة من الفئران ببكتيريا Salmonella enteritidis التي تسبب العدوى لكلا الطرفين الفئران والانسان ، والنتيجة بالطبع كانت أن الفئران أصيبت بالعدوى، لكن الملفت أن العدوى حدثت في نصف عينة فئران التجارب بعد وصول الجرعة المعدية Infective Dose إلى 100,000 جرثومة!
في التجربة التالية قام الباحثون بتغذية الفئران بالمضاد الحيوي Streptomycin قبل التغذية بنفس الجرثومة البكتيرية ، وهنا حدث المفاجأة في أن المضاد الحيوي لم يمنع العدوى ولم يؤخرها بل على العكس تماماً! فالعدوى حدثت في نصف عينة فئران التجارب بعد وصول الجرعة المعدية لثلاثة جراثيم بكتيرية فقط ! الفرق بين الجرعتين 30 ألف ضعف!!
وعندما أعيدت التجارب باستخدام جرثومة بكتيرية أخرى Staphylococci ومضاد حيوي آخر Penicillin ظهرت نفس النتائج ! بمعنى أن التغذية المسبقة بالمضاد الحيوي زادت كثيراً من احتمال حدوث العدوى لدى الفئران!

الدليل الثاني:
من خلال ما حدث في مدينة شيكاغو الامريكية عندما ضربت بكتيريا Salmonella typhimurium  المدينة عام 1985 بوباء أصاب اكثر من 160 ألف شخص ومات على إثره العديد من المصابين، وعندما تتبع المتخصصون مصدر الوباء توصلوا إلى حليب ملوث بهذه البكتيريا تبيعه سلسلة بقالات! اللافت أن المختصين قاموا ضمن جهودهم لاحتواء الوباء بسؤال المصابين سؤالاً واحداً عما إذا كانوا قد تناولوا مضاداً حيوياً خلال الشهر الذي سبق إصابتهم بهذا الوباء ؟ فجاءت النتائج لتؤكد أن المصابين الذين تناولوا مضاداً حيوياً قبل إصابتهم بهذا الوباء أصيبوا أكثر بخمسة أضعاف المصابين الذين لم يسبق ان تناولوا مضاداً حيوياً!

الدليل الثالث:
دراسة بحثية أجريت عام 2001 وأراد الباحثون من خلالها الاجابة على سؤال حول: هل تناول مضاد حيوي لمدة أسبوع سوف يزيد من أعداد بكتيريا Staphylococcus epidermidis التي تستوطن الجلد بصورة طبيعية ؟
ماظهر من نتائج هذه الدراسة يتفق مع ما سبق من دلائل أعلاه، حيث وُجد أن الاشخاص الذين تناولوا مضاداً حيوياً لمدة أسبوع زادت لديهم أعداد هذا النوع البكتيري بشكل كبير، عكس أولئك الذين لم يتناولوا مضاداً حيوياً وبقيت لديهم أعداد البكتيريا على حالها.
العجيب أن الاعداد المتزايدة من هذا النوع البكتيري بقيت على حالها لدى المجموعة الأولى من الأشخاص الذين أُجريت عليهم الدراسة والتي استمرت لمدة 4 سنوات !!

والبحث عن الدراسات العلمية التي تقدم أدلة متنوعة على الاثر السلبي الذي يقدمه الافراط في استخدام المضادات الحيوية يقود إلى كم هائل منها … فعلى سبيل المثال هذه دراسة أخرى أجريت على الفئران ، تم تقسيمها إلى مجموعتين، أضيف المضاد الحيوي Streptomycin للماء الذي تشربه المجموعة الأولى وتركت المجموعة الثانية تشرب الماء بدون أية اضافات ، ثم حقنت المجموعتان ببكتيريا Salmonella typhimurium فظهر أن كامل فئران المجموعة الأولى فقط وُجدت البكتيريا في عينات برازها ، أما المجموعة الثانية فلم يظهر في عينات برازها شيء من هذه البكتيريا!
الملفت أن بكتيريا Salmonella typhimurium ظهرت في كامل فئران المجموعة الأولى في الكبد والطحال وكامل الانسجة المحيطة بالامعاء الدقيقة ! ولم يحدث اي انتقال لهذه البكتيريا لهذه الاعضاء والانسجة في كامل فئران المجموعة الثانية التي لم يوضع المضاد الحيوي في الماء الذي تشربه!
مما دلل على أن تناول الفئران للمضاد الحيوي مع الماء قد سهل انتقال البكتيريا الممرضة من الامعاء الى الانسجة والاعضاء المحيطة بها ، كما أنه ساهم في ازدياد اعداد هذا النوع البكتيري الممرض في بيئة الامعاء.
والتبرير العملي لهذا الوضع هو في فقدان ما يعرف بظاهرة مقاومة الاستعمار الجرثومي Colonization Resistance التي تملكها عادة الفلورا الميكروبية الطبيعية بسبب أن تناول المضاد الحيوي قد ساهم في القضاء على هذه الجراثيم النافعة.

إذا ماالذي يحدث ؟
الذي يحدث أن المضادات الحيوية عندما تدمر البكتيريا داخل اجسامنا فهي حين تفعل ذلك لا تفرق بين الانواع الضارة والانواع المتعايشة سلميا معنا ! أو بالاحرى الانواع البكتيرية النافعة والتي تشكلل الفلورا الطبيعية البكتيرية التي تتواجد داخل أجسامنا!
هذه الانواع البكتيرية النافعة ثبت أنها لا تعمل كخطوط دفاع أولية ضد هجوم البكتيريا الممرضة بل تساهم فعليا في تطوير وبناء الجهاز المناعي بطرق غير مباشرة وبصور متنوعة.
وبالتالي فإن المضادات الحيوية التي تدمر هذه الانواع البكتيرية النافعة تقدم فرصاً هائلة للانواع البكتيرية الممرضة “للإستفراد” بك إن صح التعبير! واقتناص أقصى ما يمكن اقتناصه من إصابتك بالعدوى بصورة اكثر قوة !

Staphylococcus epidermidis
Staphylococcus epidermidis
streptomycin
Martin Blaser

هذا الاتجاه في تفسير الآثار الجانبية الخطيرة  لسوء استخدام المضادات الحيوية في علاج حالات لم تصمم المضادات الحيوية لعلاجها ، أو للإفراط في تناول المضادات الحيوية ذات طيف التأثير الواسع broad-spectrum antibiotics من الاتجاهات البحثية والعلمية الهامة جداً والتي تستحق أن يتم التركيز عليها من المتخصصين حتى لا ينقلب الاثر الدوائي الذي نطمح اليه الى اثر مدمر للانسان ومقاومته للجراثيم الممرضة المختلفة.

والى لقاء في تدوينة أخرى…