الخميس , 21 سبتمبر 2017
إعادة تدوير … الأحافير .. بكتيرياً!

إعادة تدوير … الأحافير .. بكتيرياً!

Illustration by Katrine Harving Holm

Illustration Credit : Katrine Harving Holm

دراسة مميزة نشرت في PNAS الشهيرة بتاريخ December 3, 2013 وهي متاحة مجاناً على هذا الرابط رسخت النظرة حول القدرات الهائلة التي تتمتع بها الجراثيم البكتيرية في استغلال الكثير مما لم يكن متصوراً في السابق قدرتها على استغلاله!

حتى ماقبل هذه الدراسة ، كان الاعتقاد السائد أن المادة الوراثية الموجودة في الاحافير القديمة لا يمكن اعادة استخدامها مرة اخرى من قبل البكتيريا كمادة وراثية ! لانها عبارة عن قطع مجزأة غير نشطة، غير أن البكتيريا عادة ما يكون لها رأي آخر!
فكأنها قالت: جربوني 🙂 فاستجاب مجموعة من الباحثين لندائها وقاموا بتجربة قدراتها في هذا الإطار ، واتضح لهم أن البكتيريا تعتبر كل ما يوجد في البيئة من حولها عبارة عن مكب نفايات “وراثية” من الممكن الاستفادة منها عن طرق إعادة تدويرها.
بل إن البكتيريا لديها القدرة على ادخال بقايا المادة الوراثية من الاحافير الموغلة في القدم، في المادة الوراثية الخاصة بها.
وعادة ما تحتوي البيئة من حولنا على بقايا أجزاء المادة الوراثية (الحامض النووي DNA ) بصورة تالفة أو بصورة أجزاء صغيرة جداً لاتستفيد منها البكتيريا إلا كمادة غذائية فقط ولكن لم يكن يُتصور إمكانية الاستفادة منها كمادة وراثية وإدخالها من جديد مع المادة الوراثية البكتيرية!، بل إن بعض هذه الاجزاء الوراثية قد تكون موغلة في القدم كما حدث مع المجموعة البحثية موضع التدوينة ، !ذ قاموا بتجربة توفير أجزاء قصيرة جداً من المادة الوراثية المستخلصة من أحافير لحيوان الماموث عمرها 43 ألف سنة في بيئة اصطناعية ومتابعة قدرة البكتيريا من نوع Acinetobacter baylyi على إدخالها ضمن مادتها الوراثية الخاصة، وظهرت النتائج بالكشف عن قدرة هذا النوع البكتيري الموجود في التربة على إدخال هذه الاجزاء الوراثية الصغيرة والمستخلصة من الماموث، لكن هذا لا يعني طبعا اكتساب البكتيريا لصفات الماموث 🙂 ، لكنه يثبت قدرتها على ادخال مواد وراثية صغيرة جدا (20 زوجاً من القواعد النيتروجينية فقط!) وربما موغلة في القدم كما في أحافير الماموث!

هذا الاكتشاف يقود الى أفكار جديدة بل وإعادة النظر في أفكار أو مفاهيم علمية قديمة قد يكون من أهمها الآلية التي تستطيع البكتيريا من خلالها اكتساب المقاومة ضد العلاج بالمضادات الحيوية resistance to antibiotics وبالذات في بيئة المستشفيات! وبالتالي فإن انتقال الجينات الوراثية المقاومة للمضادات الحيوية  بين بكتيريا وأخرى لم يعد قاصراً على التنقل بين  الجراثيم البكتيرية الحية أو ربما القدرة على استخدام جزئيات الحامض النووي الطويلة والكاملة long intact pieces of DNA بل تعداها حسب الدراسة إلى بقايا المادة الوراثية المتناثرة هنا وهناك حول محيط البكتيريا في بيئة المستشفيات خاصة! ، وتسلط الدراسة الضوء أيضاً على القدرة الهائلة التي تمتلكها البكتيريا على الاستفادة من كل فرصة أو ربما جزء من فرصة لتبادل المادة الوراثية فيما بين الانواع المختلفة! وهو أمر من جانب آخر يثير الرعب نظرياً على الاقل عند التفكير في قدرة هذه الجراثيم على تبادل الجينات الوراثية المسؤولة عن الضراوة المرضية او عن المقاومة للمضادات الحيوية
هذه الدراسة تسلط الضوء أيضاً على أهمية التفكير في طرق جديدة للتخلص من بقايا المادة الوراثية في بيئة المستشفيات وليس الاقتصار على استخدام طرق التعقيم للتخلص من الجراثيم الحية فقط! وهذا الامر بحد ذاته صعب جداً.
مثلا هل هناك إمكانية لاستخدام الانزيمات المحللة للحامض النووي DNase بطريقة المطهرات!
فريق الدراسة مثلاً قام باستخدام محلول الكلور عالي التركيز لتطهير أسطح الطاولات المعملية ومن ثم تعريضها للاشعة فوق البنفسجية طوال الليل!
عملياً يمكن مثلا استخدام الاشعة فوق البنفسجية للتخلص من بقايا المادة الوراثية الجرثومية والمحتمل وجودها جداً في غرف العمليات.

الدراسة أثارت اسئلة إضافية من قبيل:
إلى أي مدى تحدث هذه الظاهرة في البيئة الطبيعية ؟
وهل حدوثها في البيئة الطبيعية يؤدي الى انتقال فعلي للصفات الوراثية من بكتيريا الى اخرى مثلا؟
وهل تقتصر الظاهرة على نوع بكتيري محدد أم تستخدمها جميع الانواع البكتيرية ؟
ويجادل بعض الباحثين في نتائج الدراسة بالقول أن إضافة جزء قصير وصغير جداً من المادة الوراثية الى المادة الوراثية الاصلية للبكتيريا مثلا لن يقود الى اكتساب صفة جديدة ! لأن المادة الوراثية المضافة أصغر من أن تكون جيناً وراثياً! وكأن ما يحدث هو إضافة بضعة أسطر لصفحة من كتاب وليس إضافة صفحة كاملة لنفس الكتاب!

Søren Overballe-Petersen

Søren Overballe-Petersen

والدراسة أيضا مثال رائع للتعاون البحثي بين 18 باحثا من عدة بلدان يتقدمهم الباحثان الرئيسان: الدانماركي Søren Overballe-Petersen  والنرويجي Klaus Harms ، وتضم القائمة باحثين من نيوزيلندا والمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة.

المثير أيضا أن الباحث الأول يعمل في مركز الوراثة الجيولوجية ! Center for GeoGenetics التابع لمتحف التاريخ الطبيعي الدانماركي! والتي تشرف عليه جامعة كوبنهاجن الدانماركية، المتاحف لديهم تقوم بدورها في مسيرة البحث العلمي!

ماذا عن متاحفنا؟

هل قلت : متاحفنا !! ربما أقصد محافلنا ! أو مدارسنا! لكني لا أقصد جامعاتنا قطعاً ! فأحسنوا الظن!

Klaus Harms

Klaus Harms – Image Credit:Elisabeth Øvreberg

ما لا أملُّ من ترديده أبداً هو أن القوم يدركون حقاً معنى التعاون البحثي ويطبقونه واقعاً  في حياتهم العلمية! الباحث الرئيسي: ليس بروفيسوراً بل هو باحث ما بعد الدكتوراة PostDoc-Researcher ، والمشاركون في الدراسة 18 باحثاً من 6 دول و 3 قارات، يمثلون 5 مراكز بحثية ! و 6 أقسام أكاديمية!  من 7 جامعات!

من المستحيل قطعاً أن تجد دراسة أجريت في دولة عربية أو اسلامية تحتوي هذا القدر من التعاون البحثي!

قبل أن أختم أسأل لماذا استخدم الفريق البحثي مادة وراثية من أحافير الماموث ؟ ما التبرير العلمي ؟ أترك الاجابة لحدس القارئ وتعليقه!

التدوينة ترجمة بتصرف من الروابط: 1، 2، 3، 4

  • TEST

    TEST