الخميس , 23 نوفمبر 2017
سباق التسلح !  …  ” المناعي ” !

سباق التسلح ! … ” المناعي ” !

By Andrew Becraft  @ Flickrسباق التسلح !… مصطلح مخيف ومزعج … ويبدو أن طبيعة العلاقات بين الكائنات الحية أيا كانت !  يحكمها مبدأ الصراع من أجل البقاء ! مما يدعو كل طرف الى المبادرة للتسلح بكل ما يضمن له الكسب في هذا السباق والفوز بالبقاء حياً !
هذا الوصف ينطبق حتى على مستوى أجسامنا .. أنسجتنا .. خلايانا ، وأكثر الاجهزة المعنية بالاستعداد والتسلح ضد كل ما يمكن أن يكون ضاراً للإنسان هو الجهاز المناعي البشري، الذي يملك من ترسانة الاسلحة المتنوعة ما يصيب المتأمل بالذهول من عظمة الخلق ! وفي المقابل فإن الطرف الآخر وبالذات عالم الجراثيم، العدو الصريح لجهاز المناعة البشري ، لايقف مكتوف الأيدي – إن كان ثمة أيدٍ للجراثيم – بل تتفنن هذه المخلوقات الدقيقة في التلاعب بالجهاز المناعي ! وتستمر الحرب، ويمضي سباق التسلح عنيفاً، ويطول الصراع حتى يرث الله الأرض ومن عليها !

يكفي أن تضع عبارة arms race أو molecular arms race أو immunological arms race في محرك بحث Google أو  Google Scholar لتظهر لك عشرات المقالات والابحاث التي تتحدث عن مظهر من مظاهر هذا السباق الرهيب !
يكفيني في هذه التدوينة من قلادته ما أحاط بالعنق … فأسلط الضوء على أحد مظاهره العجيبة بين الجهاز المناعي والجراثيم.

كما أن للانسان بصمات أصابع فريدة من نوعها فإن لخلاياه بصمات خاصة فريدة هي الأخرى! وتوجد هذه البصمات الخلوية أو الجزيئية أو المناعية ، على الأسطح الخارجية لكل الخلايا ذوات الأنوية في الكائنات الحية المنتمية للفقاريات Vertebrate، وهي تمثل ما يشبه البصمة “المناعية” للتمييز بين الخلايا السليمة وتلك غير السليمة ! والمقصود بالخلايا غير السليمة هنا ، تلك الخلايا المصابة بجراثيم مختبئة داخلها مثل الفيروسات أو تلك الخلايا التي تغيرت طبيعتها وتحولت الى خلايا سرطانية أو تلك التي نقلت من جسم شخص ما ، وزرعت في جسم شخص آخر!

بهذه المقدمة أطرح سؤالاً ! ..  هل يوجد خلايا داخل جسم الانسان لا تحتوي أسطحها الخارجية على مثل هذه المستقبلات ؟

هذه البصمات المناعية تسمى جزيئات أو مستقبلات التوافق النسيجي Major histocompatibility complex – MHC ، أو كما يطلق عليها أيضاً  Human Leukocyte Antigen – HLA ، واحدة من أعاجيب صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، والتي تدعو الانسان المنصف  للايمان بوجود الخالق العظيم سبحانه ، كيف لا، وهو سبحانه يدعونا الى مثل هذا التدبر والتأمل بقوله عز من قائل (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). وهذه الجزئيات التي تمثل جزءاً بالغ الاهمية من تركيب أجهزتنا المناعية (جزيئات التوافق النسيجي MHC ) ما زالت تمثل لغزاً علمياً مستعصياً على الفهم الكامل والوضوح التام لطريقة عملها، بل وحتى لكيفية وجودها!

حسناً … يمكن أيضاً طرح مفهوم عمل مستقبلات MHC بطريقة أخرى ،  بوصفها إحدى الادوات التي يستطيع جسم الانسان وجهازه المناعي تحديدا أن يميز بواسطتها بين كل ما هو من ذات جسم الانسان (الذاتي – Self) وبين ماهو غريب Foreign أو متغير Altered  (غير الذاتي – Non-self).

تعتبر الجينات المنتجة للبصمات المناعية MHC ذات أشكال متعددة بصورة كبيرة جدا (مئات الاشكال الجينية Alleles) لدرجة أنها تتيح ـ نظرياً – لكل انسان أن تكون له بصمة مناعية خاصة به ! هذا الوضع يشكل حاجزاً هائلاً أمام الجراثيم من الصعب جدا تخطيه !
أو بصورة أدق فإن الجراثيم لو استطاعت أن تفك شفرة أحد أشكال هذه البصمة المناعية فإنها لن تستطيع أن تفك شفرات العدد الهائل من البصمات المتنوعة التي توجد في المجتمع البشري والتي تزيد تنوعاً مع مرور الزمن !  وبسبب الضغط الانتقائي الكبير الذي يفرضه وجود هذا التنوع الهائل في البصمة المناعية فإن الجراثيم تضطر دوماً لابتكار آليات تضمن لبعضها مرواغة هذه البصمات المناعية بصورة أو بأخرى.

أما قائمة الغرباء الذين يعاديهم جهاز المناعة فتشمل الجراثيم بشتى أنواعها وتحتوي أيضا الانسجة او الاعضاء المنقولة من شخص آخر ، والمقصود بالمتغير هنا، تلك الخلايا التي فقدت طبيعتها الذاتية وتحولت الى الطبيعة السرطانية ففقدت بصمتها المناعية التي تضمن حمايتها من بطش الجهاز المناعي.

سؤال مهم هنا …. كيف تعمل هذه الجزئيات كبصمة مناعية ؟

ببساطة تعمل هذه الجزئيات كمركبات تحمل أجزاء من البروتينات Peptides = Processed Antigen التي يتم انتاجها داخل الخلية فتظهرها على سطح الخلية ، فعندما تمر الخلية المناعية للتفتيش المفاجئ – إن صح التعبير – فإنها تتجه مباشرة لموضع هذه البصمة على السطح فإن وجدت الاجزاء البروتينية من نفس طبيعة البروتينات الموجودة في الخلايا البشرية وفي صورتها الاصيلة بدون تغيير فإنها تغض الطرف عنها وتمضي في دوريتها التفتيشية ، لكنها لو وجدت هذه الجزئيات مختلفة عن البروتينات الذاتية أو أن طبيعتها قد تغيرت ! فإنها تبادر فورا للتعامل معها بحزم وصرامة.

العجيب أن الخلايا المناعية التائية  T lymphocytes والتي يمكن اعتبارها أعلى سلطة مناعية في الجسم يتم تدريبها – قبل أن تدخل الخدمة المناعية – على التعرف على هذه البصمات المناعية، وتَـقَــبُّل أو تَــحَــمُّــل وجودها immunotolerance ، وتتلقى هذه الخلايا هذا التدريب الرهيب في معهد مناعي متخصص ! ألا وهو الغدة الثيموسية   Thymus gland  ! ووصفه بالرهيب في محله تماماً ! لأن التخرج من هذا المعهد لا يحتمل إلا نتيجتين إما أن تنجح هذه الخلايا في التعرف على البصمات المناعية الذاتية وتتقبل وجودها وبالتالي يتم السماح لها بدخول الخدمة المناعية وإما أن يكون معهد التدريب هو قبرها للأسف !! فيتم تدميرها فوراً ، وبالتالي لا يدخل الخدمة من هذه الخلايا إلا من استطاعت استيعاب التدريب بصورة كاملة، الخلايا المناعية البائية B lymphocytes  تخوض تدريباً مشابهاً ربما يحسن تأجيل تفصيله لتدوينة أخرى.

من جانب الجراثيم فهي كائنات لديها ميزتان هامتان تتفوق بهما على الجهاز المناعي البشري ، ألا وهما : القدرة العالية على تغيير صفاتها الوراثية بين حين وآخر حسبما تقتضيه الظروف وهو ما  يسمى بمعدل حدوث الطفرات Mutation rate ، والميزة الثانية هي القدرة السريعة على التضاعف بأعداد مهولة !

الآن … كيف تعتبر هذه البصمات المناعية لاعباً مهماً في سباق التسلح المناعي؟

التفسيرات المطروحة متنوعة وما زالت محل جدل علمي … لتبسيط الصورة العلمية أشير إلى أن جميع هذه التفسيرات تتفق على مبدأ أنه لو ظهر أن أحد أشكال البصمة المناعية MHC  النادر مثلا ، مرتبط بمقاومة جرثومة ممرضة فإن هذا يعني فرصة قوية لانتشار هذا الشكل في مجتمع ما وتبنيه من قبل أفراد هذا المجتمع ، والعكس صحيح. مع استثناء أن أشكال البصمة المناعية MHC ذات الاثر الضعيف في مقاومة الجراثيم الممرضة لا تختفي كلياً لكن وجودها يتناقص كثيرا لصالح الاشكال المقاومة للجراثيم الممرضة من هذه البصمات المناعية.
هذا الوضع يؤدي إلى حالة من الضغط الانتقائي Selective Pressure بين جزيئات MHC و الجراثيم الممرضة ، فيضطر كل طرف إلى التكيف مع الضغط الذي يولده الطرف الاخر بإنتاج أشكال جديدة مقاومة من البصمة المناعية من جانب البشر مثلا ، أو آليات جديدة لمرواغة هذه البصمة المناعية المقاومة من جانب الجراثيم! هذا النوع من الضغوط يقود في بعض الاحيان الى خسائر هائلة لأحد الطرفين! ( البصمات المناعية أو الجراثيم ) ! ، ومثال هذا ماحدث في بريطانيا مع نوع معين من الضفادع الذي أصيب بجرثومة فيروسية قاتلة أدت إلى وباء قاتل في هذا النوع من الضفادع ، وأظهر الباحثون أن الضفادع الناجية احتوت على بصمة مناعية MHC مختلفة عن تلك التي أبادها الفيروس القاتل!

حسناً … ماذا عن البشر ؟

المثال الواضح في بعض حالات المصابين بفيروس الايدز، حيث ظهر أن واحداً من كل 200 مصاب بفيروس الايدز تحتوي أنسجتهم على بصمة مناعية محددة تعرف بـ HLA-B57 يكون تقدم المرض فيهم بطيء جدا أو لاتظهر عليهم الاعراض من الاساس ! هذه البصمة المناعية الخاصة تثير لدى هؤلاء استجابة مناعية قوية تقاوم فيروس الايدز بصورة ملحوظة ، المشكلة أن هؤلاء يعانون من بعض امراض المناعة الذاتية Autoimmune diseases  المرتبطة بنوع من التهاب المفاصل بسبب قوة الاستجابة المناعية لديهم. ليس هذا فقط بل هناك أيضاً بصمات مناعية أخرى HLA-B27 و HLA-B51 يقاوم حاملوها نفس الاثر المقاوم للاصابة بفيروس الايدز.

وأخيراً أختم بأمثلة لسباق التسلح المناعي هذا …

المثال الأول:  الفيروس المضخم للخلايا Cytomegalovirus – CMV والذي يصيب مختلف الفئات العمرية وتكون الاصابة عادة بدون اعراض لكن ربما يسبب اضراراً للحوامل والاجنة ، بعض سلالات هذا الفيروس طورت آلية لتحاشي البصمة المناعية ، ففي الأحوال الطبيعية يدخل الفيروس للخلية ويبدأ في انتاج بروتيناته الخاصة مما يعرضه تلقائياً لبطش النظام المناعي لأن جزئيات البصمة المناعية MHC سوف تُظهر جزءاً من البروتينات الفيروسية على سطح الخلية المصابة ! فتبادر خلايا مناعية خاصة ( للمتخصصين: ماهي هذه الخلايا؟ ) بقتل الخلية المصابة بما تحتويه من فيروسات من دون أن تترك مجالاً لحل وسط!
مع الوقت قررت بعض سلالات هذا الفيروس أن تغير من طريقتها لتنجو من بطش النظام المناعي! فطورت آليتين للتلاعب به : الاولى أنها تعمل بمجرد دخولها للخلية البشرية على تثبيط انتاج هذه البصمات المناعية من الاساس وبالتالي تمنعها من آداء وظيفتها في إظهار عينات البروتينات الفيروسية التي تم انتاجها على سطح الخلية المصابة! فتبقى الفيروسات مختبأة عن أنظار النظام المناعي لبرهة زمنية تتمكن خلالها من التضاعف وانتاج جزئيات فيروسية جديدة ، أو أن بعض الانواع الفيروسية الاخرى والتي تصيب الجسم البشري بإصابات مزمنة طويلة الامد ، تُبقي نشاطاتها الحيوية في أدنى مستوياتها وبدون ظهور أية أعراض مرضية فتبقى كامنة في الجسم بهذه الطريقة ( للمتخصصين : لماذا ؟) …. المثير أن هذا الوضع يمثل أيضاً إشارة خطر للنظام المناعي من حيث وجود خلايا بشرية لا تظهر على أسطحها البصمة المناعية المعتادة أو أنها تظهر ولكن بوضع أقل كثيراً من المعدل الطبيعي ، لأنه يثير خلايا مناعية أخرى فتبادر أيضاً إلى قتل الخلية المشكوك في أمرها بما فيها من الفيروسات ( للمتخصصين : ماهو هذا النوع من الخلايا المناعية؟ ) .. وهنا تأتي الآلية الثانية لفيروس CMV حيث يبادر الفيروس في استخدام الخلية البشرية المصابة لانتاج جزئيات شبيهة جدا بجزئيات البصمة المناعية MHC على سطح الخلية مما يجعل الخلايا المناعية تتجاوز هذا الوضع على اعتبار انه وضع طبيعي! وبالتالي ينجو الفيروس من بطش نوعي الخلايا المناعية ببراعة بالغة .

المثال الثاني: الجنين في بطن أمه تحمل أنسجته بصمات مناعية من الأب مضادة لما تحمله الأم ! لكن الجنين يقلد آلية عمل الفيروس فيعمل على تثبيط انتاج جزئيات البصمة المناعية على اسطح خلايا المشيمة وبالتالي لا يثير جهاز المناعة لدى الأم ! وبدلا من الآلية الثانية التي يستخدمها الفيروس لتحاشي الخلايا المناعية الاخرى فإن خلايا المشيمة تحمل على أسطحها نوعا خاصا من البصمات المناعية البشرية التي لاتثير الجهاز المناعي ويشير ويدل وجودها على وجود الجنين ! لكن القصة مع الاجنة البشرية وتعامل الجهاز المناعي معها لاتنتهي هنا بل تحتوي الكثير من معجزات الخلق تناولت أحدها في تدوينة أخرى بعنوان :   لماذا لا يرفض جسم الحامل الجنين الذي في أحشائها ؟؟

المثال الثالث: فيروس   Herpes Simplex Virus المسبب للمرض المعروف باسم الهربس ، ينتج مستغلاً الخلية المصابة جزيئاً فيروسياً له قدرة على الارتباط بجزيئات البصمة المناعية MHC بما يفوق معظم الجزيئات البروتينية الاخرى في الخلية بـ 1000 مرة ! هذه القدرة الهائلة على الارتباط يليها بالطبع تثبيط إظهار هذه الجزيئات على سطح الخلية المصابة !، ليس هذا فقط بل تقوم هذه الفيروسات بانتاج مركبات أخرى تمنع وصول جزئيات البصمة المناعية MHC الى الغشاء السيتوبلازمي للخلية المصابة فتقطع عليها الطريق متداخلة مع مسارها الذي تسلكه من مركز الخلية حتى تصل الغشاء الخلوي!

أمثلة أخرى على سباق التسلح المناعي من الروابط 1 ،2 ، 3 ،4 ، 5 ،6، 7

ترجمت بعضاً من مادة هذه التدوينة بتصرف من الروابط 1،  2،  3، 4، 5، 6، 7،