الأربعاء , 28 يونيو 2017
قصة “لـــــقـــاح” … لم يكتمل !!

قصة “لـــــقـــاح” … لم يكتمل !!

Smallpox_vaccineبعد جهد متواصل لما يزيد عن اثني عشر عاما واستثمار أموال طائلة تقارب 300 مليون دولار !! صُــدم الدكتور Garo Armen مدير شركة Antigenics برفض إدارة الدواء والغذاء الامريكية FDA الموافقة على استخدام لقاح ضد سرطان الكلى من انتاج شركته ، وبذا تحطمت اماله مع تحطم امال وزيادة الام الكثير من المرضى المصابين بهذا الداء العضال.

والان يجوب الدكتور Armen العالم لاقناع هيئات ومنظمات اخرى للسماح باستخدام هذا اللقاح معتمدا على ان اللقاح اثبت نجاحا في مجموعة من عينة المرضى الذين اجريت عليهم التجارب الاولية وتميزت هذه المجموعة بأن المرض لم يكن في مراحله المتقدمة لديهم !

ومن خلف هذه المشهد الحزين نسبياً ، تبرز عدة تساؤلات ! أولها كم يحتاج اي دواء او لقاح من اثباتات كي يتم اعتماده والسماح بتداوله على الاراضي الامريكية ؟ وهل ينبغي ان تكون المعايير المتبعة في هذا الصدد اقل صرامة ؟ خصوصا لو اظهر اللقاح او الدواء قدرا منخفضا من الاثار الجانبية Side Effects أو لو كان الهدف علاج المرضى المصابين بأمراض مميتة وقد استنفذوا كل وسائل العلاج المتاحة !!

منتقدي اجراءات ادارة FDA ومعاييرها الصارمة يشيرون الى ان الطرق التقليدية لتقييم فعالية لقاح ما ، ربما تعوق او تؤخر ما يمكن ان تحصل منه فائدة بصورة تدريجية من استخدام لقاح ما في علاج سرطان ما ، مما يسمح في النهاية باحتواء هذا المرض بالكلية.

ويشير الدكتور David Kessler عميد كلية الطب بجامعة كاليفورنيا ، في هذا الصدد الى ضرورة ابتكار طرق خلاقة لايصال مثل هذا النوع من اللقاحات لمرضى السرطان حتى لو أدى ذلك لحدوث عدة أخطاء.

لكن منسوبي ادارة FDA يدافعون عن الاجراءات المتبعة حاليا في الموافقة على استخدام لقاحات جديدة بقولهم انه من الافضل ان يتم تأخير اعتماد لقاح جديد حتى يتم اثبات قدرته على العمل بصورة قاطعة.

ولسنوات عديدة فإن الشركات المهتمة بانتاج الادوية واللقاحات كانت تتحفظ على نشر صراعها مع ادارة FDA من خلال وسائل الاعلام ، لكن هذا الوضع تغير مؤخراً فشركة كاليفورنية مثل Pharmacyclics Inc اعادت طلب اعتماد دواء مضاد للسرطان في ابريل 2007 على الرغم من ان ادارة FDA قد رفضت طلبها في فبراير 2007 !. وشركة Cell Therapeutics Inc ومقرها سياتل اثارت مسألة ان ادارة FDA تؤخر اعتماد دوائها المضاد لسرطان الرئة بدعوى حاجة الدواء لتجربة اخرى على عينة المرضى المصابين. وينظم مرضى سرطان البروستاتا مظاهرة ضد ادارة FDA لرفضها اعتماد لقاح ضد هذا المرض قدمته شركة Dendreon Corp وسمته Provenge ، وتقوم الشركة بشراء نصف صفحة اعلانية في صحيفة الواشنطن بوست وتعنونها بـ ” الخلل الوظيفي في ادارة FDA ” ! منتقدة فيها اسباب رفض هذه الادارة لاعتماد هذا اللقاح ، وينشأ المرضى والمتضامنون معهم موقعا الكترونيا ويطلقون عليه (الحق في الحياة) لمناقشة اخر المستجدات في هذا الموضوع.

وتنتقد رئيسة رابطة المتضامنين مع مرضى السرطان Laurie Fenton Ambrose هذه الاجراءات بقولها ” عندما نكون قريبين من الموت ، وعندما لا يبقى في صيدلية الدواء ما يمكن ان يفيد ! فليس من المنطق ارسال هذه الشركات مرة اخرى الى المختبر لاجراء المزيد من التجارب ، هناك الكثير من مرضى السرطان الذين لديهم الاستعداد للمخاطرة حتى مع احتمال انعدام فائدة هذا اللقاح في علاجهم !”

ومع تزايد الضغوط على ادارة FDA اعلنت عن عزمها الاعلان عن اجراءات جديدة لتسريع عملية اعتماد الادوية واللقاحات الجديدة ! من دون حدوث تغير ملموس ، واصبحت هذه الادارة في موقع الدفاع على العديد من الجبهات ! لانها اجازت مثلا احد الادوية المسكنة الذي ظهر انه يسبب اعراضا جانبية خطيرة.

وعودة بعد هذا الاستطراد الى قصة الدكتور Armen مع شركته التي اسسها بعد ان فقد امه بسبب مرض سرطان الثدي ، فكان هذا الحدث بمثابة الدافع القوي لهذا التوجه خصوصا بعد لقائه مع الدكتور Pramod K. Srivastava واقتناعه بفكرته في تصميم هذا اللقاح.

وكانت فكرة الدكتور Srivastava تقوم على تصميم لقاح غير تقليدي لا يعمل على تحضير النظام المناعي قبل حدوث الاصابة ، بل يعمل على حث هذا النظام على الاستجابة الفورية حال وقوع الاصابة. وكان الدكتور Srivastava يؤمن ان المركبات المناعية المعروفة ببروتينات الصدمة الحرارية Heat-Shock Proteins يمكن ان تعمل كلقاحات مضادة للسرطان. حيث تقوم هذه الجزيئات “بالتشبث” بالخلايا السرطانية وتجعلها مكشوفة تماما للاليات المناعية الاخرى لتبادر هذه بدورها بمهاجمتها والقضاء عليها ، وكأن عمل هذه الجزيئات هو تحديد الهدف بدقة متناهية ! (وهنا تبرز عدة تساؤلات اترك اثارتها للقراء الكرام ! واترك الاجابة عليها لتدوينات مقبلة بمشيئة الله تعالى). وفي الاساس فإن مركبات Heat-Shock Proteins تساعد خلايا جسم الانسان على التعافي من اضرار الحمى او اية اثار سلبية لأضرار اخرى مختلفة. لكن هناك من الشركات الطبية من يناقش فاعلية هذه الطريقة بشيء من التردد لانطوائها على مصاعب عملية كثيرة، حيث ان انتاج هذا اللقاح يتطلب استخلاص مركبات Heat-Shock Proteins الخاصة بكل مريض وتنقيتها تمهيداً لانتاج اللقاح من خلالها ثم حقن اللقاج مرة اخرى في جسم المريض. فبدلاً من هذه الطريقة تفضل معظم هذه الشركات الطبية انتاج لقاح ذو مواصفات تناسب جميع الحالات One-size-fits-all Vaccine حيث يسهل انتاج وتوزيع هذا النوع من اللقاحات.

لكن اللقاح – موضوع الحديث – اظهر نتائجا اولية مشجعة حيث كان اللقاح سببا في شفاء ما نسبته 80% من فئران التجارب المصابة بالسرطان في مراحله الاولية early-stage cancer ، لكن استجابة الفئران المصابة بحالات متقدمة من السرطان للعلاج بهذا اللقاح كانت ضعيفة بصورة ملحوظة على الرغم من انه ساهم في الإبطاء من تدهور حالة الفئران لكن الاصابة لم تختف تماماً.

في هذه الاثناء وعلى صعيد موقف الشركة المالي، فإن الشركة تم طرح اسهمها للجمهور سنة 2000 ليتم دعمها بـستين مليون دولار، ويسجل سهمها ارتفاعا قياسيا خلال يومين فقط من 18 دولار الى 72 دولار على الرغم من عدم وجود اية منتجات لهذه الشركة في السوق ، ويؤكد مدير الشركة الدكتور Armen انه لم يقم ببيع ايا من اسهمه في الشركة منذ ذلك الحين!

وكما تتطلب الاجراءات المتبعة لترخيص اية دواء تم استخدام اللقاح في تجربة اولية على مرضى مصابين بهذا المرض بالاضافة الى ان فرص بقائهم على قيد الحياة ضعيفة. واظهرت هذه التجارب ان اللقاح له اثار جانبية بسيطة لكنها اظهرت في المقابل ان اقل من 10% فقط من الحالات قد ساهم اللقاح في تلاشي او اختفاء الورم السرطاني من اجسادهم! . ومما ساهم في زيادة الوضع سوءاً ان ادارة FDA نادراً ما تمنح موافقتها لاي دواء اثبت فاعلية في علاج 10% من الحالات ! لكن الباحثين في هذه الشركة يفترضون ان المرضى الذين استفحل انتشار الورم السرطاني لديهم تصبح اجسادهم من الضعف بحيث لا تستطيع ان توفر استجابة مناعية تقارع حجم الخلايا السرطانية التي تتضاعف بصورة هائلة !

بحلول عام 2004 كان قد شارك في التجارب الاولية مئات المرضى ، حيث كانت عينات الاورام ترسل الى مقر الشركة في الولايات المتحدة ليتم استخلاص بروتينات Heat-Shock Proteins منها واعداد اللقاح الخاص بكل مريض من خلالها ثم تتم اعادة اللقاح للمريض لحقنه بصورة اسبوعية او كل اسبوعين حتى ينفد ما يمكن ان يستخرج من عينة الورم لدى الشركة.

Stephen creel احد المرضى الذين شاركوا في التجربة وتم استئصال ورم سرطاني بحجم كف اليد من جسده واستمر في تلقي اللقاح بصفة دورية لمدة سنة يصف العلاج بهذا اللقاح كما لو كان تنزهاً في حديقة ! ويقارن بين هذه الطريقة وطرق العلاج التقليدية التي يفقد فيها المريض شعره بالاضافة الى اعراض جانبية اخرى فيقول: انا لم اشعر بأية اعراض جانبية مطلقاً !! وفي اواخرعام 2005 رأت الشركة ان لديها نتائجا كافية لاعداد تقرير عن اللقاح ، وظهرت نتائج هذا التقرير في منتصف 2006 تقريباً ، وكان ابرز ما اظهره هذا التقرير ان من بين 604 مريضا اشتركوا في هذه التجربة فإن المرض عاود الظهور في 158 من هؤلاء ! لكن هذا لم يكن كافيا لاعتماد اللقاح من قبل ادارة FDA ، لينخفض سهم الشركة الى 2.97 دولار في سوق الاسهم ! ومع مزيد من التحليل لنتائج التجربة رأى الدكتور Srivastava ان المرضى المصابين بأورام سرطانية لم تخترق بعد اوردتهم الدموية اظهروا استجابة افضل للعلاج بهذا اللقاح ، وباعادة تحليل النتائج احصائيا ظهر ان قليلا من هؤلاء الذين يعانون من حالات سرطانية غير متقدمة والذين خضعوا للعلاج هذا اللقاح والذين قدر عددهم بـ 361 مريضاً قد عاود الورم الظهور في اجسادهم ! وعندما تم تقديم هذه النتائج الجزئية مرة اخرى لادارة FDA ، رأت الاخيرة ان النتائج مشجعة واقترحت متابعة حالات المرضى تحت العلاج بهذا اللقاح لكنها اشارت الى حاجة اللقاح الى تجربة اخرى تأكيدية! عندها أُسقط في أيدي منسوبي شركة Antigenics لأنهم لم يعودوا يملكون المال اللازم لتمويل تجربة اخرى تتكلف عشرات الملايين من الدولارات وتستغرق قرابة خمس سنوات ، ومما يزيد الامر صعوبة ظهور مشروعات اخرى للقاحات بديلة من شركات اخرى . عندها قرر مدير الشركة الدكتور Armen ان يطيل زمن الدراسة الحالية 17 شهرا اضافيا على امل ان تظهر النتائج بما يعزز مصداقية اللقاح وعندها سوف يجد اللقاح قبولاً في مكان ما من هذا العالم الواسع !! على حد قوله.

وبعد تحليل نتائج الفترة الاضافية ظهر ان اللقاح مازال يؤدي بصورة ايجابية في علاج الحالات المصابة مقارنة بتلك التي لم تعالج ، بل واظهرت هذه النتائج انها معتبرة احصائياً Statistically significant ، حيث اظهرت هذه النتائج مثلا ان المرضى الذين عولجوا باللقاح قد عاشوا ما معدله 4.2 سنة دون ان يعاود الورم الظهور لديهم مقارنة بما معدله 2.5 سنة في المرضى الذين لم يستخدوا هذا اللقاح.

وقررت الشركة عرض نتائج ابحاثها لدى الرابطة الامريكية لتخصص المسالك البولية American Urological Association
والشركة في طريقها لتسجيل الدواء في روسيا حيث اتت منها النسبة الكبرى من المشاركين في التجارب الاولية ، وكذلك فإن الشركة في طريقها لتقديم طلب تسجيل الدواء في دول الاتحاد الاوروبي كذلك.

وهكذا لخصت لكم قصة من ضمن قصص كثيرة تحكي اوجه متعددة من النجاح والفشل والمحاولة والمثابرة والاستمرار وربما العوائق التي تقف في طريق البحث العلمي على المستوى العالمي.

وقد استقيت الملخص من هذا الـــــــمــــقال والذي نشرته مجلة وول ستريت للأعمال ، وهي جريدة يومية تصدر باللغة الانجليزية تجدون نبذه عنها على هذا الــــــرابــــط

  • عزيزي الباحث, مقال مفعم بالمعلومات.

    أعتقد أن كارثة الثاليدومايد, قد غيرت طريقة تعامل الناس والهيئات الحكومية مع الأدوية بشكل عام.

    هل لنا بنبذة عن ال Heat-shock proteins ?

  • شكرا اكورد على مرورك وتواصلك الدائم

    كنت ارغب في الاستطراد عند الحديث عن Heat shock proteins لكني وجدت المقال قد طال كثيرا ، فأرجأت الحديث عنها الى تدوينة قادمة بحول الله

    وتعليقك في محله فيما يتعلق بدواء Thalidomide الالماني المنشأ والذي ظهر في بداية الستينات الميلادية وكان يستخدم كمهدئ للحوامل قبل ان يظهر انه يسبب تشوهات خلقية للأجنة !، لكن لك ان تعلم ان هذا الدواء لم يرخص ببيعه من ادارة FDA في الولايات المتحدة مطلقا ، وانما اقتصر الترخيص لاستعماله في مجال البحوث العلمية فقط ! وهذا مما يحسب لهذه الادارة من باب الانصاف