الخميس , 20 يوليو 2017
حرب الحديد  ..!!

حرب الحديد ..!!

طبعاً ليس للأمر علاقة بغلاء أسعار الحديد، وحركة البناء والتشييد، وأهمية أن يكون لك سكن خاص بك يحتوي على كمية حديد تضمن بعد ضمان الله عز وجل أن لا ينهار مسكنك فوق رأسك ورأس عائلتك المسكينة، وهو – أي موضوع التدوينة – يلفت إنتباه تجار الحديد وأصحاب المصانع الى مصدر جديد للحديد يبدو أنهم في غفلة عنه ! أسأل الله أن يديم غفلتهم عنه !
وحتى لا تذهب بكم الظنون كل مذهب!
فإن موضوع تدوينة اليوم علمي بحت، من دون أن أضطر للحلف بالله العظيم أنه كذلك ! ولكم إن شئتم قراءة هذه التدوينة لتتبينوا صدق دعواي !
والتدوينة ابتداءاً هي ترجمة بتصرف لمراجعة بحثية مختصرة ومفيدة بعنوان: The Battle for Iron between Bacterial Pathogens and Their Vertebrate Hosts

حتى تعرفوا فقط أهمية الحديد على كل المستويات حتى على مستوى الخلية الحية، لأن الحديد ببساطة عنصر غذائي حيوي في غاية الأهمية لكل أشكال الحياة!
لكن كيف ؟

ببساطة مرة أخرى 🙂 ، عنصر الحديد مطلوب لكثير من العمليات الخلوية مثل انتاج الطاقة وتضاعف الحامض النووي ونقل الاكسجين بل والحماية من ضغوط جزيئية معينة من الممكن ان تتعرض لها الخلايا وتسمى بضغوط أو إجهاد الأكسدة oxidative stress ، والجراثيم الممرضة ليست استثناءاً في هذا الاطار، لأنها تحتاج الحديد عندما تكون داخل العائل المصاب لكي تستطيع التضاعف وإحداث المرض. ومن هنا تنطلق الشرارة الأولى لحرب الحديد ! حيث يبدأ العائل المصاب – الانسان على سبيل المثال – بحجب أو عزل الحديد عن الجراثيم المهاجمة حتى لا تستخدمه في تكاثر أعدادها بسبب معدل تضاعفها السريع، هذه العملية تسمى بالمناعة الغذائية nutritional immunity وحجب عنصر الحديد عن الجراثيم المهاجمة هو أكثر مظاهر هذه الالية الدفاعية وضوحاً، وعملية “حجب” الحديد عن أنظار الجراثيم تتم من خلال وضع “معظم” الحديد داخل الخلايا الحية وليس خارجها في الأوعية الدموية ولا حتى بين الانسجة المختلفة،
وحتى عندما يكون الحديد داخل الخلية الحية فإنه يكون مخبئاً بدقة داخل مادة بروتينية تخزن الحديد تسمى ferritin ، أو ربما يكون الحديد مرتبطاً بجزيئات أخرى تجعل من الصعب الاستفادة منه مباشرة من دون فك ارتباطه عن هذه الجزيئات مثلما هو الحال في “خضاب الدم” في الهيموجلوبين أو Heme حينما يرتبط الحديد بحلقة من مركب porphyrin ring ، بل إن مظاهر خلق الانسان في أحسن تقويم تتعدى هذا بحيث أن البيئة الغنية بالاكسجين في مصل الدم Serum ودرجة الأس الهيدروجيني المتعادلة لهذا المصل neutral pH تمنع كمية الحديد المتبقية من الذوبان في مصل الدم  وبالتالي تجعل من الصعوبة بمكان أن تستفيد منها الجراثيم الممرضة! ليس هذا فحسب ، بل حتى أن هذا الحديد الحر و الموجود خارج الخلايا سابحاً في مصل الدم ، وهو لا يشكل إلا 0.1% (4mg) فقط من كمية الحديد الموجود في جسم الانسان، يتم ربطه برباط وثيق بدرجة هائلة مع جزيئي موجود في مصل الدم يسمى transferrin ،وأخيراً فإن الحديد الذي ينتج من تحرر خضاب الدم من خلايا الدم الحمراء كنتيجة لعملية تجديد خلايا الدم الحمراء بصورة مستمرة يتم “القبض” عليها عن طريق مركبين آخرين هما haptoglobin و hemopexin حيث يتم التخلص من هذا الخضاب المتحلل في الطحال كمحطة نهائية.
كل هذه الآليات مجتمعة تضمن أن الكمية المتاحة للجراثيم الممرضة من الحديد قليلة جداً لأبعد الحدود و لا تسمح لها بالتضاعف أو  إحداث المرض.

قبل الاسترسال، أترك لكم التفكير في كيف يمكن للجراثيم الممرضة قلب الوضع لصالحها مع وجود كل هذه الآليات ؟

لتأكيد أهمية  هذه الآليات الدفاعية لما يُعرف بالمناعة الغذائية، يشير المؤلف الدكتور Eric P. Skaar الى أن المصابين بأمراض الدم الوراثية مثل thalassemia و primary hemochromatosis يعانون من فرط في مستوى الحديد iron overload الموجود في الدم بحيث أن نسبة تشبع جزيئي transferrin بالحديد المرتبط به تصل الى 100% في المصابين بمرض hemochromatosis ! مقارنة بنسبة تشبع تتراوح مابين 20% الى 30% فقط في الاشخاص الأصحاء! هذا الوضع يجعل المصابين بمرض hemochromatosis عرضة للإصابة بجرثومة بكتيرية متواضعة القدرات الامراضية ومن النادر أن تسبب أية أمراض مثل Vibrio vulnificus في حين أن دم الشخص العادي يستطيع القضاء بسهولة على هذه الجرثومة.

هل وجود فرط في مستوى الحديد الحر في مصل الدم هو أمر مرتبط فقط بالامراض الوراثية ؟
في الواقع هناك الكثير من الحالات التي تؤدي مباشرة او بطريق غير مباشر الى ارتفاع مستوى الحديد الحر في مصل الدم Secondary Hemochromatosis، وهذا الارتفاع يؤدي مبدئياً الى زيادة ضراوة الجراثيم المهاجمة، بعض انواع الحمية الغذائية القاسية ، الامراض التي تؤدي الى تحلل الدم تقود الى ارتفاع مستوى الحديد الحر ، وكذلك تناول المشروبات الكحولية بافراط.

ماذا عن طرف المعركة الآخر ؟
أقصد الجراثيم الممرضة هل تبقى مكتوفة الأيدي أمام كل هذه التحصينات الدفاعية المناعية التي تسد عليها المنافذ التي تستطيع من خلالها الاستفادة من الحديد الموجودة في جسم العائل وبالذات في الكائنات الحية الفقارية Vertebrate ؟
الوضع داخل أجسام الفقاريات بما فيها الانسان يوحي للجراثيم بخلوها من عنصر الحديد لوجود الآليات الدفاعية التي ذكرتها آنفاً ، وكأن أجسام الفقاريات تدفع الجراثيم المهاجمة لظروف المجاعة بسبب “حجب” عنصر الحديد بآليات دفاعية معقدة! على الاقل في الفترة الزمنية التي تلي دخول الجراثيم المهاجمة لجسم العائل، في المقابل فإن الجراثيم المهاجمة تتحسس هذه البيئة الخالية نظرياً من الحديد وتفسرها على أنها البيئة الداخلية لعوائل فقارية!  وكأنها “تدرك” هذا الوضع! أو كما يقول المؤمنون بنظرية التطور أنه تشكلت لديها آليات تمكنها من فهم البيئة الجديدة التي هاجمتها على أنها بيئة عائل فقاري!
وأقول: أنه (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (سورة النحل 88)، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (سورة الملك 14) ، فهو سبحانه وتعالى من علم هذه المخلوقات الضعيفة أسرار الدخول الى، والخروج من، اجسام الفقاريات، ليس هذا فقط، بل إن الجراثيم المهاجمة تهرع فوراً الى إيقاف عمل كل الانزيمات غير الضرورية والتي تعتمد على الحديد في آداء وظيفتها ، وتعيد هذه الجراثيم أيضاً توزيع الحديد داخل خلاياها تحسباً لظروف المجاعة وخلو البيئة الجديدة الممثلة في العائل الذي هاجمته من الحديد، بل وتضطر بعض الجراثيم الممرضة مثل بكتيريا المسببة لمرض الدفتيريا Corynebacterium diphtheria أن تتنازل عن ضراوتها المرضية والتوقف عن انتاج سم الدفتيريا diphtheria toxin  لأن انتاجه يعتمد على وجود الحديد!
ماذا بعد ؟ كيف يمكن للجراثيم الممرضة أن تتحايل على جسم العائل وآلياته الدفاعية بحيث تستخلص الحديد المحجوب عنها وتستخدمه للتكاثر وإحداث المرض ؟
في الحقيقة هذه هي ساحة المعركة الحقيقية !
فجرثومة مثل بكتيريا Borrelia burgdorferi المسببة لمرض Lyme disease أراحت نفسها من عناء البحث عن الحديد منذ البداية باستخدامها لعنصر المنجنيز بدلا من الحديد في نشاطاتها الانزيمية التي تحتاج وجود معدن ما !  وهي مثال للبكتيريا “غير العنيدة”! أو تلك التي آثرت عدم المواجهة مع الاليات الدفاعية المناعية! على الاقل فيما يخص الصراع على الحديد!
لكن جراثيماً أخرى رفعت راية التحدي وطورت فعلاً آليات مضادة تمكنها من استخلاص الحديد من مكامنه الحصينة داخل جسم العائل المصاب!
فمن هذه الآليات ما تقوم به بعض الجراثيم البكتيرية من انتاج جزيئات Siderophore الشبيهة في عملها بجزيئي transferrin لتتنافس معه على الارتباط بالحديد الحر الموجود في مصل الدم ا مع فارق مهم ألا وهو أن قدرة هذه الجزيئات الجرثومية تفوق قدرة جزيئات العائل في امكانية الارتباط بالحديد الحر. بعد ذلك تعود جزيئات Siderophore بالالتصاق مرة أخرى بسطح الخلية الجرثومية والنفاذ الى داخلها محملة بالحديد اللازم للعديد من العمليات الحيوية الجرثومية.
جراثيم أخرى تتنافس على الحصول على مركب Heme لاستخلاص الحديد المرتبط به بصورة معقدة وتعمل بعدئذ على تكسير مركب Heme للاستفادة من الحديد. وتقوم فئة ثالثة من الجراثيم بالتعرف مباشرة على مركب transferrin عن طريق مستقبلات جرثومية معينة وتستخلص الحديد منه مباشرة من دون الحاجة الى افراز مواد معينة.
المثير أن الحرب لم تنتهي بعد ! وما زال في جعبة العائل وجهازه المناعي آليات دفاعية أخرى!
آليات المناعة الغذائية Nutritional Immunology تتتبع الاليات الجرثومية المضادة ، فينتج العائل وبالتحديد خلايا الدم البيضاء فيه ، مادة بروتينية تسمى Siderocalin تقوم باعتراض جزيئي Siderophore الجرثومي الذي اقتنص للتو الحديد الحر ، وتمنعه من العودة الى الخلية الجرثومية لايصال الحديد اليها !

من الممكن هنا أن نتخيل ما الذي يمكن للانسان فعله كعلاج او لقاح للمساهمة مع جهازه المناعي في مقاومة هذه الجراثيم الممرضة !
فلو افترضنا ان حاجة الجراثيم الممرضة الماسة للحديد تلزمها بالاستعداد لاستقبال الحديد الذي تم اقتناصه من جسم العائل فوراً ! وهذا يعني أن سطح الخلية الجرثومية سوف يكون مليئاً بالمستقبلات الخاصة لدخول الحديد الى داخل الخلية الجرثومية ، وبعبارة أخرى توجد على سطح الخلية الجرثومية بوابات خاصة لتهريب الحديد كغنائم حرب تمهيداً لسرعة الاستفادة منه في أتون الحرب الدائرة بين الجراثيم والجهاز المناعي للعائل!
وبالفعل فقد تعرف الباحثون على العديد من هذه البوابات الجرثومية او المستقبلات الخاصة لدخول الحديد الذي تم اقتناصه ، وبالتالي فإن تصميم لقاحات تستهدف اغلاق هذه البوابات او تعطيلها سوف يضمن القضاء على الجراثيم المسببة.

ولأن الحرب كر وفر ، فلا تظنوا أن الجراثيم لم تعد تملك في ترسانتها شيئاً تقاوم به مادة Siderocalin التي تنتجها خلايا الدم البيضاء لاعتراض جزيئات Siderophore الجرثومية الحاملة للحديد ! بل إن جرثومة الجمرة الخبيثة Bacillus anthracis وأحد أنواع جرثومة السالمونيلا Salmonella تنتج جزيئات خاصة تتسلل خفية وتمنع ارتباط مادة Siderocalin بجزيئاتها الجرثومية من مادة Siderophore ولذلك يطلق على هذا النوع الخاص منها مصطلح stealth siderophores أو الجزيئات الشبحية التي لا تستطيع – على الاقل لحد الآن – آليات المناعة اكتشافها.
ولأن معظم هذه الاليات ما زالت في طور الاكتشاف والبحث والتقصي فليس غريباً ان يكتشف الباحثون أن الجهاز المناعي يوفر آليات خاصة لتقصي أثر هذه الجزيئات الشبحية المتسللة ويقضي عليها!

ولكم أن تتخيلوا أن جميع هذه الاليات الدفاعية المناعية التي تناولتها تدوينة اليوم هي من آليات المناعة الفطرية فقط ، وهي كما لاحظتم متخصصة فقط في الحفاظ على الحديد ومقاومة المحاولات الجرثومية لاقتناصه والاستفادة منه، كما أن ساحة حرب الحديد هذه لا تمثل شيئاً من ساحات الحرب الأخرى التي تدور رحاها على مدار الساعة بين الجراثيم الممرضة وبين الجهاز المناعي البشري وآلياته الجبارة، بحيث لا يُتخيل مثلاً أن الاليات المناعية الاخرى تظل متفرجة حتى تنقضي حرب الحديد ! بل إنها تشارك وتؤازر وتنقض كلما سنحت الفرصة لطرد الجراثيم الغازية وتدميرها.

ولا أملك في الختام الا أن أردد قول الحق تبارك وتعالى :
(ربنا :
ما خلقت هذا باطلاً ،
سبحانك ،
فقنا عذاب النار )

اللهم آمين
ودمتم بخير