الخميس , 27 أبريل 2017
أهم 10 فضائح علمية في 2011 حسب The Scientistـ (2/2)

أهم 10 فضائح علمية في 2011 حسب The Scientistـ (2/2)

استكمل في هذه التدوينة ما بدأته في التدوينة السابقة بخصوص اهم 10 فضائح علمية في 2011 حسب دورية The Scientist ، و لا يقتصر أثر هذه الفضائح على الجانب العلمي والمحافظة على معيار الامانة والمصداقية العلمية فقط ، بل إنه يتعدى ذلك الى ما يتطلبه الكشف عن هذه التجاوزات وسوء السلوك البحثي من مبالغ مالية كبيرة، قدرتها دورية بحثية مميزة مثل Nature بما يوازي 525,000 دولار لاستقصاء سوء سلوك بحثي لدراسة علمية واحدة !! وما يقارب 110 مليون دولار سنوياً !!! وهي مبالغ هائلة تستدعي وضع سياسات حازمة للتقليل من أمثال هذا السلوك البحثي المشين الى أدنى حد ممكن.

وعلى الرغم من كونها “فضائح” من وجهة نظر الكثيرين، إلا أنها تعتبر مظهراً من مظاهر التصحيح الذاتية لعالم البحث العلمي من وجهة نظر أخرى! ولا بد من التأكيد هنا أن هذه “الفضائح” العلمية وما يتبعها تحديداً من سحب الدراسات المنشورة Article Retraction تحدث بصورة نادرة ، فمثلا يذكر تقرير لدورية Nature أنه خلال أسبوع واحد يُنشر ما يقارب 27,000 دراسة في موقع ISI Web of Knowledge المتخصص في متابعة وتقييم النشر العلمي والتابع للشركة العملاقة المتخصصة في المعرفة والنشر العلمي Thomson Reuters تبقى آلاف الدراسات هذه كإسهام ثابت للمعرفة البحثية ويتعرض ما يقارب 200 دراسة من هذه الدراسات الى تعديل او تصحيح يُنشر لاحقاً ، وتُسحب 5 أو 6 فقط دراسات من الدوريات البحثية وهي نسبة تكاد تكون معدومة لكنها تعتبر عامل تصحيح Correction Factor مهم يضمن تنقية النشر العلمي من الشوائب والاخطاء وسوء السلوك البحثي المتعمد وغير المتعمد! وسحب الدراسات العلمية يعتبر أيضا نوع من العقاب لفترة ما بعد النشر العلمي post-publication punishment ، ومفهوم سحب الدراسات العلمية يعتبر اعلاناً رسمياً أن دراسة علمية منشورة احتوت على او تم اكتشاف احتوائها على عيوب لا تؤهلها للبقاء منشورة في أوعية المعرفة البحثية ولا بد بالتالي من سحبها حتى لا تسهم في التضليل المعرفي!. هذه العيوب تشمل جوانباً كثيرة مثل السرقة الادبية plagiarism و تعديل الصور التوضيحية altered images وتلفيق المعلومات faked data ووجود الأخطاء البديهية المحرجة وغيرها من الاخطاء.
ويشير تقرير آخر الى ارتفاع معدلات الدراسات المسحوبة من 30 دراسة في أوائل الالفية الميلادية الثانية الى ما يزيد عن 400 دراسة مسحوبة سنة 2011 ! لكن النسبة تبقى ضئيلة حيث يشير تقرير الى انه خلال العشر سنوات الماضية ارتفع معدل الدراسات المسحوبة من 0.001% الى 0.02% من اجمالي الدراسات المنشورة، مع أن آخرين يقولون أن هذا العدد المعلن عنه من الدراسات المسحوبة يمثل فقط قمة جبل الجليد !!
يبقى السؤال: هل يفيد سحب مثل هذا النوع من الدراسات المعيبة او تلك التي تنطوي على فضائح في ايقاف الاحالة اليها من دراسات علمية اخرى او منع تأثيرها التضليلي في مجتمع البحث العلمي؟
يقول البروفيسور John Budd أنه قام بتتبع 235 دراسة مسحوبة retracted articles في الفترة مابين 1966 وحتى 1996 فوجد لدهشته أنه قد تمت الاحالة الى هذه الدراسات المسحوبة اكثر من 2000 مرة بعد ان تم سحبها رسمياً ! وأنه قد تمت الاشارة الى ان هذه الدراسات مسحوبة في 8% فقط من هذه الاحالات !! وللمقارنة مع السنوات الحديثة قام أيضاً بتتبع 1112 دراسة مسحوبة في الفترة مابين 1997 وحتى 2009 فوجد نفس النتيجة تقريباً !!
ويصف أحد محرري الدوريات البحثية العلمية ظاهرة سحب الدراسات العلمية بالقول: كثيرٌ جداً أن تتوقع الكمال من أية نظام يتعامل مع الأخطاء البشرية بكل ما تحتويه من فوضى! لذا فإن كل دراسة علمية مسحوبة هي بكل ألم فريدة من نوعها!
Perfection may be too much to expect from any system that has to deal with human error in all its messiness. So, each retraction is painfully unique.
وسؤال منطقي آخر …
لماذا لا يكتشف محرروا الدوريات العلمية مثل هذا النوع من السلوك البحثي مبكراً ، قبل السماح بنشره ؟
يجيب على هذا التساؤل كبير محرري الدروية العلمية المميزة Infection and Immunity بالقول : في الحقيقة أن العديد من هذه الدراسات المسحوبة يتم اكتشاف احتمالية سوء سلوك مؤلفيها في مرحلة التدقيق والمراجعة ! لكنه يكون من غير المنطقي توثيقه أو تصديقه من غير الاطلاع على المعلومات الاولية أو البيانات الخام raw data للدراسة !
وهذا تبرير غريب حقاً !!! لأنه كان يسع محرري هذه الدورية رفض نشر أية دراسة من هذا النوع ابتداءاً !!! أو بشرط أن يتم تقديم معلومات اضافية أو تجارب تؤكد بعض النتائج الواردة في مثل هذه الدراسات !! أما أن يتم التغاضي عن تأكيد بعض النتائج التي تحتاج الى تأكيد فهو أمر يقلل على المدى الطويل من مصداقية مثل هذه الدوريات ! ويدعو من هو مثلي للتساؤل: عما إذا كانت سمعة المؤسسة العلمية او الجامعة التي قام باحثوها بالدراسة له أثر في قبول مثل هذا النوع من الدراسات دونما تمحيص دقيق ! أو ربما دونما تمحيص يوازي ما يحدث للدراسات المماثلة المقدمة من مؤسسات علمية أقل شأناً أو ربما من دول غير متقدمة علمياً !! وعلى الرغم من وجاهة هذا الاجراء ومنطقيته النسبية إلا أن التأصيل له والاستمرار فيه على المدى الطويل فيه نوع من التحامل البحثي إن صحت العبارة!

والتقرير الذي أعده Richard Van Noorden والتي اقتطفت منه قليلاً في هذه التدوينة جدير بالقراءة وكذلك دراسة أخرى على هذا الرابط لمن أراد مزيدا من التفاصيل.
اليكم بعد هذه المقدمة بقية الفضائح العلمية مستأنفاً بالفضيحة السادسة:

6) صور طبق الاصل في دراسات متعددة !!
الفضيحة أتت من اليابان هذه المرة وبصورة مجلجلة وعاصفة بل ومدمرة!، حيث قام الباحث في علم الفيروسات Naoki Mori باستخدام نفس الصور التوضيحية لتجارب معملية في عدة دراسات مختلفة !! مما أدى الى ليس فقط الى افتضاحه بل الى طرده من العمل السنة الماضية وسحب 30 دراسة علمية نشرها في دوريات علمية مختلفة !!، المشكلة أن احدى هذه الدراسات اشترك في تأليفها مشاركة معه مدير الجامعة التي يعمل بها !! الذي أنكر بدوره علمه المسبق بالصور المكررة !!! ومع ذلك فقد صعد هذا الباحث قضيته الى المحاكم اليابانية التي قضت باعادته الى وظيفته وجامعته على الرغم من كل ما فعل !

7) أعمال البروفيسور Mark Hauser من هارفارد!
وهو من الباحثين المعروفين على مستوى العالم في مجال أبحاث المعرفة ، وعمل في هارفارد لمدة 18 سنة وبعد انتهاء تحقيق داخلي قامت به الجامعة لمدة 3 سنوات على اعمال هذا الباحث ، صوت زملائه لتنحيته من مهامه التدريسية والبحثية بسبب سوء السلوك البحثي وتحديدا بسبب وجود مجموعة من التناقضات العلمية غير المبررة في 3 من دراساته المنشورة ليستقيل هذا الباحث في شهر يوليو الماضي

8 ) فريق بحثي محتال !
الباحثة الايطالية في علم المناعة Sylvia Bulfone-Paus والتي كانت تقود فريقاً بحثياً يعمل من ضمنه كلا من: Elena Bulanova و Vadim Budagian سُحبت 12 من دراساتها المنشورة بسبب ثبوت ضلوعهم في التلاعب بصور توضيحية من تجارب معملية مختلفة لاثبات نتائج بحثية ليست ذات علاقة بالصور الاصلية !! يعني “لخبطة في لخبطة” !

9) عوائل مصابات بسرطان الثدي يقاضون جامعة Duke University بتهمة الاحتيال !
بعد وفاة مصابات بسرطان الثدي قدمت عوائلهن لائحة اتهام لمقاضاة جامعة Duke University بتهمة الاحتيال والتصرف بإهمال حيال أسلوب علاج خاطئ اتبعه فريق طبي بقيادة الطبيب Anil Potti المتخصص في علم الاورام  وكذلك زميله المتخصص في علم وراثة الاورام Joseph Nevins وتقديم بيانات احصائية خاطئة عن نجاح هذا الاسلوب العلاجي ! بل إن Anil Potti ادعى كذباً انه حصل على منحة بحثية مميزة من أرقى المؤسسات العلمية المانحة لهذا النوع من المنح البحثية على مستوى العالم  Rhodes Scholarship، كما أدعى أنه فاز بعدة جوائز علمية بحثية مميزة!، وأدرج هذه الادعاءات في السيرة الذاتية ونماذج التقديم على المنح البحثية مما مكنه من الحصول على منحة بحثية بقيمة 729,000 دولار من الجمعية الامريكية للسرطان!! واشارت لائحة الاتهام الى الجامعة نفسها لأنها كانت تدرك حجم المشاكل في طريقة العلاج التي اتبعها هؤلاء ومع ذلك سمحت باستمرار التجربة ! على الرغم من ان دراسات هذين الباحثين تحديداً قد فقدت مصداقيتها بسحب أهم دراستين في اثنتين من ارقى الدوريات البحثية العالمية في 2006 و 2007 على التوالي ، وبعد ان وصل عدد الاحالات المرجعية للدراستين citations الى قرابة 300 احالة بحثية !!

10) تخريب علمي Science Sabotage ـ !
الفضيحة الاخيرة تدعو الى الضحك حقاً ، حيث أعلن مكتب النزاهة البحثية الامريكي The Office of Research Integrity – ORI (تأملوا حتى البحث العلمي لديهم له مكتب لمتابعة نزاهته ومصداقيته واستقامته!!) نتائج تحقيقه في قضية باحث مابعد الدكتوراة Vipul Bhrigu ، وطالبة الدكتوراة Heather Ames ، التي لاحظت لعدة مرات ان نتائج تجاربها المعملية بدت أنها تعرضت لتخريب متعمد! مما جعلها تعيد التجارب في معمل صديقها وحينها ظهرت نتائج تجاربها سليمة! وهذا دعاها للشك في أحد أفراد الفريق البحثي الذي تعمل ضمنه ، والذي ضُبط متلبساً بتصوير كاميرا خفية (كالتي في الصورة  🙂  ) وهو يخرب تجاربها المعملية في مختبر مزارع الانسجة بصب الايثانول علي هذه المزارع!! وبعد تحقيق رسمي غُرم الدكتور Vipul Bhrigu بمبلغ 10000 دولار ومُنع من العمل لأي وكالة بحثية أو علمية في الولايات المتحدة أو حتى تقديم الاستشارات العلمية فيها! ونشرت دورية Nature تقريراً مفصلاً عن هذه القضية!

ويقول الباحث Daniele Fanelli من جامعة ادنبرة باسكتلندا والمتخصص في سوء السلوك البحثي research misconduct أن هذا النوع من سوء السلوك ليس جديداً في عالم البحث العلمي وحقول العلم المختلفة عموماً ! ولكنه ليس بوضوح وصراحة هذه الحالة التي يشير الى انها ليست شائعة، لكن اساليب اخرى اخف وطأة، من التخريب العلمي ربما تكون اكثر شيوعا من قبيل تحكيم بحثي انتقامي ! او حجب نقاط رئيسية من طريقة عمل تجربة معينة حتى لا يعرف تفاصيلها الآخرون ! و يؤكد Daniele Fanelli أن قياس مثل هذا النوع من سوء السلوك البحثي ينطوي على صعوبات عدة! ويقول آخرون أن بيئة البحث العلمي في بعض الدول قد تشجع مثل هذا السلوك مثلما تنطوي عليه هذه البيئات من المنافسة على الوظائف الثابتة tenured positions أو على المنح البحثية أو النشر في دوريات علمية مميزة.

فضائح “فوق البيعة” بمناسبة تنزيلات 2012 !!!
اكتشفت خلال اعدادي لهذه التدوينة فضائح أخرى مجلجلة في عالم البحث العلمي فآثرت الاشارة اليها سريعاً
– رئيس فريق بحثي في مجال الكيمياء يُتهم بالتسبب في وفاة أحد الباحثين في فريقه بعدما شب حريق في المختبر ! والعقوبات المحتملة 1.5 مليون دولار تدفعها الجامعة بالاضافة الى حبس رئيس الفريق البحثي لما يزيد عن 4 سنوات!
– جامعة University of Pennsylvania ترفع دعوى قضائية بقيمة مليار دولار!! ضد أحد الباحثين الرئيسيين فيها بسبب عدم الكشف عن استثماره في شركة بحثية لها علاقة بنشاطه البحثي في الجامعة!

أخيراً وليس آخراً ، لو أردتم متابعة هذه الفضائح العلمية المتعلقة بالنشر العلمي وما يترتب عليها من سحب الدراسات المشبوهة فسوف تجدون مدونة متخصصة تقف بالمرصاد لكل صغيرة وكبيرة في هذا الجانب !! هي مدونة RetractionWatch

ودمتم جميعا بخير

  • Alswidi

    أخي الحبيب د محمد   سلمه الله
    من نعم الله عليك أن كتاباتك واختياراتك رائعة وموفقة وتستحق أن تنشر وخاصه هذا الموضوع بشكل أوسع وخاصة في الأوساط الأكاديمية حتى يستفيدوا من هذا الكلام .. سبحان الله ما كنت اظن أنه يوجد من يتتبع بشكل دقيق هذه الفضائح العلمية 
    شكري وتقديري لك دائما

  • Faisal ALsharif

    أتابع بمزيد من الإعجاب والتقدير هذا الجهد الذي تبذله أخي الكريم لكي تطلعنا على ما قد لا نستطيع الوصول اليه .. تجلبه إلينا خالصا مصفى ، بل وكذلك شهي لذيذ ،، فأنعم بك وأكرم من عالم جليل تنبش وتتعلم، وتنشر ليتعلم الآخرين، تُشرك الآخرين فيما تعرف، ولا تحفظه حكراً عليك وعلى دراساتك كما نفعل في غالبنا، إما لكسل، او لعدم قدرة على الكتابة، وإما لرغبتنا في ان لا يعرف الآخرين ما نعرف.
    أشكرك جزيل الشكر، وادعو الله لك دائما بالتوفيق،، الى الامام ، فنحن نحتاج الى جهودك، ونحتاج الى الكثير من امثالك.

  • الكريمان العزيزان
    أبو عبدالله وأبومصعب
    تثقل كاهلي تعليقاتكما الرقيقة وتشجيعكما الدائم
    واستكثرها حقاً على مثلي لسبب بسيط ، أن ما اقوم به أقل واجب وأدنى قدر من أمانة العلم الذي رضينا أن نكون من ضمن من يحمل لواءه أو هكذا يُخيل إلي !
    اسأل الله أن يجعل “باحث” في ميزان الحسنات وفي باب ” .. أو علم ينتفع به ..”
    وفقنا الله جميعا لما يحب ويرضى
    وشكري لمروركما عميم