الثلاثاء , 25 يوليو 2017
مع شلل الأطفال …. لا معنى للحدود ..!!

مع شلل الأطفال …. لا معنى للحدود ..!!

أنباء سيئة أكدتها منظمة الصحة العالمية عن عودة حالات شلل الاطفال الفيروسي للصين بعد غياب 12 عاماً !! حيث سُجلت آخر حالة لشلل الاطفال في الصين عام 1999م ، وظهرت حالات المصابين الاربعة الذين تترواح اعمارهم مابين 4 أشهر وسنتين في الشمال الغربي من الصين.

الحسابات الرياضية المتعلقة بانتشار شلل الاطفال تشير إلى أن كل حالة إصابة مؤكدة بالمرض تعد مؤشراً على وجود 200 حالة عدوى من دون ظهور أعراض المرض، لأن العدوى بفيروس شلل الأطفال أمر، وظهور أعراض مرض شلل الأطفال أمر آخر، وهذا من دلائل رحمة الله بالإنسان إذ لو أن كل من أصيب بعدوى فيروس شلل الأطفال تظهر عليه أعراض المرض لكان الأمر مهولاً وفوق الاحتمال!، هذه الـ 200 حالة للحاملين للفيروس من دون أن تظهر عليهم أعراض المرض ينشرون الفيروس بدورهم الى آخرين وفي صمت وهدوء قبل أن يثير الأمر انتباه المختصين!. وفيما يخص الحالات الصينية، حُللت أيضاً عينات المصابين بتقنيات الاحياء الجزيئية وظهر أن السلالة قريبة الشبه من سلالة الفيروس Poliovirus type 1 والتي تم عزلها من باكستان ، مع ملاحظة أن باكستان هي واحدة من أربع دول متبقية ما زال فيروس شلل الاطفال مستوطناً فيها، الدول الثلاث الاخرى هي الهند وأفغانستان ونيجيريا، وهكذا فإن الخريطة الجغرافية تشير وبشكل مخيف الى أن ثلاثة من هذه الدول لها حدود مباشرة بالمنطقة التي ظهرت فيها هذه الحالات الاربعة!. وهذا يدل أيضاً وبوضوح أن هذه الحالات الاربعة هي قطعاً حالات مستوردة من إحدى هذه الدول. وإشارة أخرى أن المنطقة التي ظهرت فيها الحالات الاربعة من شلل الاطفال هي في مناطق شعب الايغور المسلم في تركستان الشرقية ، هذه الاخبار تهدد جهود عالمية استغرقت 23 عاماً لاستئصال شلل الاطفال من العالم !

لكن قصة استئصال هذا المرض لا تنتهي فمنظمة الصحة العالمية قد أعلنت عام 1998 أن شلل الاطفال سوف يتم القضاء عليه نهائياً بحلول عام 2000 ! وثم أجلوا الموعد ليكون عام 2005 ! ثم توقفوا عن اعلان مواعيد نهائية لاستئصال المرض ! لكن فيروس شلل الاطفال لم يتوقف عن الانتشار !

ومع ذلك فإن أكثر الخبراء المتشائمين مثل Donald Henderson الذي قاد الجهود الدولية لاستئصال مرض الجدري في الستينات الميلادية أصبحوا متفائلين و يتحدثون عن مرحلة ما بعد استئصال مرض شلل الاطفال، كل هذا لم يمنع صيحات التحذير من أن يطلقها بعض المهتمين بالقول أن ما يحدث هو نوع من إطفاء النار بالنار ! وأن هناك احتمال قائم لظهور المرض مرة أخرى حتى لو تم القضاء عليه واستئصاله !، ولكم أن تتخيلوا ما هو السبب !! إنه نوعية اللقاح Vaccine المستخدم !! وهذا هو معنى إطفاء النار بالنار !
حيث أن اللقاح المستخدم OPV-oral polio vaccine حالياً في جهود الاستئصال وبدعم مالي هائل من مؤسسة بيل جيتس الخيرية يحتوي على سلالة “حية” موهنة أو مضعفة من فيروس شلل الاطفال a live, weakened form of the virus ، واحتمال استعادة هذه السلالة لضراوتها المرضية عن طريق حدوث طفرة وراثية وبصورة كافية لاحداث العدوى بشلل الاطفال هو احتمال قائم! هذا التحليل هو الذي يجعل بعض المختصين يتوجسون خيفة من احتمال حدوث مثل هذا السيناريو وينادون باستمرار حملات التطعيم ضد شلل الاطفال حتى بعد القضاء عليه، وهو أمر لا تتحمله ميزانيات الدول الفقيرة مما يجعل اجيال الاطفال الذين يولدون بعد انتهاء حملة التطعيم العالمية معرضين لهذا الاحتمال!.
المفاجأة أن امكانية حدوث مثل هذا الاحتمال حصلت بالفعل العام الماضي ، وقد حصل أن ظهرت سلالة من الفيروس الموهّن الموجود في لقاح OPV وسببت حالات شلل الاطفال في نيجيريا ، وهناك دراسة علمية توضح ما حصل بالفعل وقد نُشرت في واحدة من أرقى الدوريات العلمية المتخصصة New England Journal of Medicine   هذا الامر حدث ايضا في مناطق أخرى من العالم مثل جزر البحر الكاريبي و الهند

وأصبح المسبب لمثل هذه الحالات يُعرف في الاوساط العلمية بفيروس شلل الاطفال المشتق من اللقاح vaccine-derived polio or VDPV وبالتالي فإن خطورة سلالة VDPV سوف تستمر طالما ظل لقاح OPV قيد الاستخدام ! لأن OPV هو نفسه VDPV.

حسناً … هل من خيار آخر ؟ .. هل هناك لقاح آخر يقلل او يلغي احتمالية استعادة فيروس شلل الاطفال لضراوته المرضية من جديد ؟
هل تصدقون أن الجواب هو : نــــعـــم !!
نعم .. هناك لقاح آخر يستخدم فيروس شلل الاطفال “مقتولاً” ويعرف باسم The Salk vaccine, or inactivated poliovirus vaccine-IPV وبالتالي لا يمكن للفيروس المقتول أن يستعيد نشاطه من جديد لأنه ببساطة مقتول! وهو بذلك اكثر آماناً من اللقاح المستخدم حالياً، وهنا مفاجأة أخرى ! هذا اللقاح تستخدمه الدول الصناعية المتقدمة الكبرى ! لذلك ليس لدى هذه الدول مخاوف من احتمالية عودة ظهور فيروس شلل الاطفال فيها !

السؤال التالي: لماذا لا يستخدم اللقاح المقتول IPV بدلاً من الموهن OPV مادام أنه اكثر أماناً ؟
الجواب: لأن تكلفة انتاج جرعة لقاح IPV أكبر بعشرين مرة من تكلفة انتاج جرعة لقاح OPV ، بالاضافة الى انه يتطلب مهارة استخدام الحقن الطبية لأنه يُعطى عن طريق الحقن وليس مجرد قطرات في الفم .

وهنا سؤال …. ماالفرق في التأثير بين اللقاحين: الموهن OPV.. و المقتول IPV ؟
اللقاح الموهن OPV يحتوي على فيروس حي ضعيف كما أسلفت ، ولأنه حي فإنه بمجرد أن يُعطى عن طريق الفم في شكل قطرات ويدخل القناة الهضمية يبدأ بالتكاثر ويولد استجابة مناعية مستمرة ، ليس هذا فقط بل إن فيروس اللقاح الموهن ينتقل من طفل الى اخر وبالتالي تحدث حالة تمنيع جماعي ليس فقط للطفل الذي تناول اللقاح بل لكل من يختلط به. وأكثر من هذا فإن لقاح OPV يثير استجابة مناعية بشكل أفضل من لقاح IPV المقتول، كل هذه الخصائص تتفوق حتى اللحظة على احتمال الخطورة القائم من استخدام لقاح OPV.

وهكذا فإن القضاء على فيروس شلل الاطفال واسئصاله من العالم لن يكون سوى نهاية البداية ! لانه علينا بعدها ان نحمي العالم من سلالة الفيروس المضعفة و الموجود في اللقاح الذي تم استخدامه لاستئصال السلالة الاصلية، والطريقة الوحيدة لاستئصال شلل الاطفال للأبد هو بتغيير نوعية اللقاح المستخدم من OPV الى IPV بعد أن تنتهي حملة اللقاح العالمية الحالية ومن ثم القيام بحملة لقاح عالمية أخرى باستخدام لقاح IPV المقتول !

المشكلة هنا أن الانتاج العالمي ” السنوي” لشركات الادوية من لقاح IPV المقتول يقارب 120 مليون جرعة فقط ! ولو افترضنا ان العالم قرر التحول الى استخدام هذا اللقاح غداً على سبيل المثال فإن العالم يحتاج الى 450 مليون جرعة سنوياً! وشركات الادوية ليست مستعدة لتوسعة منشأتها الصناعية لانتاج مثل هذه الكميات من أجل انتاج لقاح لن تعود له حاجة مستقبلية بعد استئصال المرض ! ببساطة لا جدوى اقتصادية على المدى الطويل !.
هذا الوضع يُذكر بما واجهه العالم خلال أزمة انفلونزا الطيور من الحاجة الى لقاح “محدث” Updated Influenza Vaccine لمواجهة احتمال وباء عالمي، لكن على الرغم من ذلك فإن دولاً نامية مثل المكسيك واندونيسيا بدأت في الانتقال الى استخدام لقاح IPV و بدأت الشركات الصينية والهندية في إدخال انتاج لقاح IPV من ضمن خطوط انتاجها للقاحات مرحلة الطفولة، حتى على مستوى الابحاث التي بدأت التركيز على انتاج لقاح IPV أقل تكلفة، ومن أمثلة هذه الابحاث دراسة علمية أشارت الى ان حقن جرعة صغيرة من لقاح IPV تحت الجلد يؤدي نفس مفعول جرعة كبيرة من نفس اللقاح في العضلات ، لأن الجلد متخم بالخلايا المناعية التي تستجيب بفاعلية لهذه الجرعة من اللقاح ، ودراسة أخرى أشارت الى أن الاطفال الصغار يحتاجون الى جرعتين فقط من لقاح IPV بدلا من 3 او 4 جرعات معتادة.

وأخيراً اليكم هذا الفيديو المعبر عما وصلت اليه الجهود العالمية في القضاء على مرض شلل الاطفال الفيروسي

 

نقلته بتصرف من: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9    تجدون أيضا رسماً توضيحياً عن هذا المرض وجهود استئصاله هنـــا وهنـــا.