السبت , 27 مايو 2017
رايح فين …؟  جي منين …؟

رايح فين …؟ جي منين …؟

Blackawton bees

احترت في عنوان هذه التدوينة الى ان اسعفتني ذاكرتي بمطلع الاغنية التي كانت تبثها الاذاعة بعد ظهور نتائج الثانوية : رايح فين ؟ عــــ الكلية ! … جي منين ؟ مــــ الثانوية !…… وكنت اشعر حينها أنه ليس هناك هدف واضح من وراء هذا الذهاب والاياب من الثانوية للكلية !
هذه مقدمة اود من خلالها تصور الهدف العام لهذه التدوينة ، من خلال عقد المقارنة الابدية – ان صح التعبير – بين انظمة التعليم في العالم العربي ، المتخلف علميا مع الاسف الشديد ، وبين أنظمة التعليم في العالم الغربي المتقدم علمياً ، وهذه التدوينة اثبات آخر للفروق الهائلة والهوة السحيقة التي تفصلنا عنهم ، طبعا موضوع التدوينة له علاقة وطيدة بالبحث العلمي ، لكنكم لن تصدقوا أن الباحثين هذه المرة هم طلاب مدرسة ابتدائية بريطانية ! !
نعم صدقوا – ومالكم علي يمين – أن مجموعة من طلاب مدرسة “ابتدائية” بريطانية قد نشروا بحثاً علمياً في دورية علمية محكمة ومسجلة في قاعدة بيانات ISI وذات معامل تأثير يساوي 3.521 ، الا وهي دورية Biology Letters التي تصدرها الجمعية الملكية البريطانية للتميز العلمي
(سوف تفاجئون بعدد أعضاء هيئة التدريس في الجامعات العربية والذين ينشرون في دوريات علمية محكمة ومسجلة في قاعدة بيانات ISI وذات معامل تأثير بحثي! ) ما علينا …. نعود لموضوع التدوينة ..

المدرسة هي مدرسة Blackawton Primary School في قرية Blackawton (قرية يا ناس وليست عاصمة ا أو مدينة كبرى ) التي يسكنها قرابة 700 نسمة وتقع ضمن مقاطعة ديفون ، ومجموعة الاطفال الباحثين من مؤلفي الدراسة بلغت 20 باحثاً من هؤلاء الاطفال يقودهم باحث في العلوم العصبية هو الدكتور Beau Lotto من جامعة كلية لندن الشهيرة UCL التي تعتبر من افضل 10 جامعات على مستوى العالم وليس بريطانيا فقط ! ( أعلم أن أحدهم الان يسأل كيف وجد الدكتور وقتا لهؤلاء الاطفال ؟ والله انه فاضي ..! أقصد الدكتور البريطاني 🙂 ) ماعلينا مرة ثانية …. نعود لموضوع الدراسة التي كانت عن سلوك “نحل قرية Blackawton” من خلال تجربة شارك فيها هؤلاء الاطفال والذين تتراوح أعمارهم مابين 8 الى 10 سنوات بأسئلتهم ومن ثم حاولوا افتراض اجابات لهذه الاسئلة ، وهذه الافتراضات قادتهم لتصميم التجربة ومن ثم قاموا بتحليل نتائج هذه التجربة وكتبوا النتائج بأسلوبهم وبمساعدة الباحث في العلوم العصبية، ومن الطريف ان هؤلاء الاطفال الباحثين استخدموا “الألوان الخشبية” في تصميم الفقرات والاشكال الخاصة بالدراسة ، وسوف تدركون أن الكتابة هي من أسلوب هؤلاء الاطفال لو قرأتم الدراسة او ترجمتها ويمكنكم تحميل الدراسة كاملة كملف PDF من  هــــنـــــا ، ويمكنكم أيضاً ترجمة النص الانجليزي كاملا مستخدمين ترجمة قوقل عن طريق خدمة شريط قوقل المفيدة لكن تذكروا أن ترجمة قوقل تحتاج الى ترجمة أخرى 🙂 .

وهنا فائدة يشير اليها الدكتور المشرف على الدراسة اذ يقول انكم سوف تلاحظون ان الدراسة خالية من الاحالة الى اية مرجع علمي وهو أمر مستغرب لكنه مبرر لهذه الدراسة لسببين تحديداً ،
الاول : أن قراءة المراجع العلمية أمر صعب لعقلية الاطفال في سن الثامنة او العاشرة ، لذا كان من الامانة العلمية عدم محاولة اقحام المراجع في هذه الدراسة
الثاني : أن الدافع الرئيسي للبحث العلمي هو الفضول العلمي الذي يثيره كثرة القراءة والاطلاع على الابحاث والدراسات العلمية بالنسبة للباحث في الاحوال العادية ، لكن الدافع هنا لدى هؤلاء الاطقال الباحثين كان فضولهم لملاحظة الظواهر الطبيعية من حولهم ، لذا كان الاكتفاء بهذا النوع من الفضول كافيا – في سن هؤلاء الاطفال – لاقحامهم في عالم البحث العلمي مبكراً.

النتيجة الرئيسية التي توصلت اليها هذه الدراسة هي أن النحل في تلك القرية يستطيع استخدام العلاقة بين اللون والمكان ليقرر من أي الوان الزهور يمكن أن يجني الرحيق، وتوصلت الدراسة كذلك الى نتيجة أخرى بحسب وصف هؤلاء الاطفال ألا وهي أن العلم جميل ومسلي لأنه يدفعك لعمل أشياء لم يعملها أحد من قبلك. ( ترى ماالذي يجده فلذات أكبادنا جميلاً في شروخـ … أقصد صروحنا التعليمية ؟ )

من جملة الاسئلة الكثيرة التي طرحها هؤلاء الاطفال ، برز سؤال قرروا أن تكون إجابته هي موضوع دراستهم البحثية ، وكان السؤال يدور حول ما إذا كان بإمكان النحل تذكر الازهار التي حوله أم لا ؟

وقاموا بتصميم تجاربهم على اساس تدريب النحل على الذهاب الى الزهور الزرقاء لو كانت محاطة بزهور صفراء أو بالعكس ، ولا بد لتحقيق هذا الهدف أن يقوم بهذه المهمة كل النحل الذي يتم اختباره! لانه لو يقم بها بعض النحل لكان هذا دلالة على “شخصية مستقلة” للنحل ! بمعنى لو فضلت نحلة ان تذهب دوما للزهور الزرقاء لكان هذا دليلاً على انها تحب الزهور الزرقاء فقط .
وتم تصميم خلايا النحل بحيث تحتوي على اعمدة زجاجية صغيرة تشبه الزهور وبها امكانية لاضاءة زرقاء او صفراء وتحتوي هذه الاعمدة كذلك على فتحات بها احد ثلاثة خيارات اما محلول السكر والماء او محلول الملح والماء او لا تحتوي على شيء!

في مرحلة التدريب الاولى : قاموا ولمدة اربعة ايام بادخال النحل لهذه الاعمدة الزجاجية التي تشبه الزهور وهي غير مضاءة (بلون ابيض فقط) و تحتوي على محلول الماء والسكر ، وهكذا تعود النحل الذهاب لهذه الاعمدة البيضاء لانه وجد فيها مراده من الرحيق (محلول الماء والسكر) ، قاموا بعدها بوضع علامات على النحل لتمييزه وذلك بعد ان ادخلوا النحل في وعاء صغير مغلق الى ثلاجة مما دفع النحل للنوم وقاموا بتعليم النحل واحدة واحدة بوضع الوان مختلفة عليه اخرجوا وعاء النحل بعدها من الثلاجة ومع الدفء استعاد النحل نشاطه.

في مرحلة التدريب الثانية: قاموا بوضع 4 لوحات كل لوحة بها 16 عامود زجاجي ، وقاموا بإضاءة 12 عامود خارجي بالازرق وإضاءة 4 أعمدة داخلية بلون أصفر في لوحين من الاربعة وعكسوا الوضع مع اللوحين الآخرين كما يوضح الشكل المرفق ، قاموا بوضع محلول السكر والماء في فتحات الاعمدة الزجاجية الاربعة الداخلية فقط من كل لوح ، وقاموا بتغيير وضعية كامل الالواح الاربعة كل 10 الى 40 دقيقة حتى لا يحدد النحل وضعية الالواح ، مع تنظيف الاعمدة الزجاجية حتى لا يتعرف النحل على الاعمدة التي بها محلول السكر من خلال رائحة النحل الذي سبقه ، فكان على النحل ان يتعلم في يومين ان يميز الالوان بحيث لو وجد الاعمدة الـ 16 الخارجية زرقاء اللون فعليه ان يتجه الى الاعمدة الـ 4 الداخلية صفراء اللون لان بها محلول السكر المطلوب ، والعكس صحيح ، وفي اليومين التاليين تمت اضافة محلول الملح والماء للأعمدة الخارجية بحيث لا يعتمد النحل في تمييز هدفه على اللون فقط بل المحتوى كذلك ، وبعد فترة التدريب قاموا باختبار كل نحلة على حدة 3 مرات للحصول على النتائج ، مع ملاحظة انه في فترة الاختبار قاموا بازالة كلا المحلولين السكر والملح.

ماذا كانت النتيجة ؟
90% من النحل اتجه الى الاعمدة الداخلية التي يُفترض وجود محلول السكر والماء فيها ، على الرغم من تغيير وضعية الالواح بصورة مستمرة ، ومن سوء الحظ ان احد النحلات لم تخرج اساساً من خلية النحل! ولأنهم قاموا بوضع الوان على النحل لتمييزه فقد ظهر لهم ان كل النحل اتجه الى احد اللونين الاصفر او الازرق في الاعمدة الداخلية ، واحدة فقط ذهبت بصورة مختلطة بين اللونين الاصفر والازرق في الاعمدة الداخلية المفترض احتوائها على محلول السكر ( انظر الدراسة كاملة لمزيد من التفاصيل) ، الدلالة الاولى أن النحل عرف مكان محلول السكر في الاعمدة الداخلية المضاءة بالازرق او الاصفر.

هذه النتيجة أثارت ثلاثة اسئلة لدى هؤلاء الصغار
الاول  : هل يذهب النحل للاعمدة الداخلية لتمييزه اللون فيها ؟ ام انه يذهب لمعرفته بوجود محلول السكر فيها ؟
الثاني : هل يذهب النحل للاعمدة الداخلية لان الوانها هي الاقل 4 في كل لوح من بين 16 عمود ؟
الثالث : هل يذهب النحل لمنتصف اللوح دائما بغض النظر عن وجود محلول السكر او تمييز اللون ؟

للاجابة على هذه التساؤلات صمم الصغار 3 اختبارات اضافية وعرضوا نتائجها بطريقة بسيطة كما في الشكل اعلاه ، ولأن التدوينة طالت ! انصح كثيراً بالاستفادة من الدراسة للأب او الأم مع الاطفال او للمعلم مع تلامذته بالحصول على الدراسة الكاملة او ترجمتها كما وضحت آنفاً، لكني لا ادري هل يمكن تجربتها مع طلاب المرحلة الابتدائية لدينا ؟ ما رأيكم ؟

في الختام :
لا أدري لم تذكرت بيت عمرو بن كلثوم !
إذا بلغ الفطام لنا صبي ! تخر له الجبابر ساجدينا !!
وخطر لي هذا السؤال : لأي شيء كان الجبابرة يسجدون لصبيان عمرو ؟ من “زود” العبقرية مثلاً ام من قوة البأس ؟

وسؤال آخر معتاد وبالغ حد الملل والألم معاً ، أختم به هذه التدوينة : ماالذي ينتظر فلذات أكبادنا على امتداد العالم العربي من جراء انظمة التعليم التي “تفتك” بهم ؟

ولأمثالي من المعلمين في التعليم العام والجامعي والعالي أقول : هل أعددنا للسؤال جواباً ! يوم نُسأل : ماذا عملتم بعلمكم ؟

اللهم غفراً وصفحاً

  • ابراهيم فلقي

    ذلك محفز ومؤلم.

    التعليم في الغرب يرتكز على تطوير الكفاءات (العمل الجماعي, القيادة, التحليل, الاستكشاف.. الخ), وعندنا على الحفظ.

    لكن مع ذلك هناك نقد للنظام التعليمي حتى في العالم المتقدم, لانه بتصميه الحالي مشروع لانتاج  اكاديميين. مجهزين لدخول الجامعة.  والسبب ان مصممي المنهج اكاديميين فكان تأثيرهم واضحا. العمل الاكاديمي ليس كل شيء, والله خلقنا بكفاءآت مختلفة لذلك يضيع (او يُظلم) من لا يجد نفسه في العمل الاكاديمي وانما في أمر آخر. اضافة الى ان من حق الطفل ان يستكشف بقية المهن حتى يكتشف مكانه الصحيح. 

    السير كين روبنسون متميز في هذا المجال, ان لم تشاهد المحاضرات في الاسفل فازعم انك ستستمتع.

    http://www.ted.com/talks/lang/eng/ken_robinson_says_schools_kill_creativity.html

    http://www.youtube.com/watch?v=zDZFcDGpL4U

    http://www.ted.com/talks/lang/eng/sir_ken_robinson_bring_on_the_revolution.html

  • أخي د/ ابراهيم
    شكرا لمداخلتك المفيدة كما عودتنا
    مع كل النقد الموجه للنظام التعليمي في العالم المتقدم إلا أنه لا مجال أبداً للمقارنة ولو في الجزئيات بين أنظمتهم التي تتعرض للنقد “من اجل التطوير” وبين أنظمتنا التعليمية في العالم العربي التي تتعرض للنقد ” من اجل الخلاص والتطهير وضرب الخصوم وتضارب المصالح المالية وأحياناً تتعرض للنقد من أجل لا شيء فقط من أجل تسويد الصفحات!” الوضع التعليمي هنا وباختصار مخيف! ، وليس راء كمن سمع ، ولتعلمن نبأه بعد حين

  • عبدالرحمن باقيس

    الله المستعان .. أتساءل عن مدى السعادة والفخر لأولياء الامور من جراء الانجاز العظيم الذي توصل اليه ابناؤهم. الحياة جميلة والتعليم ومراحله وعملياته يعتبر عمل جماعي بين البيت والمدرسة والمجتمع اذا نجحنا في التعليم سادت السعادة والفخر بين افراد المجتمع واذا زادت الشروخ اصبح التعليم جزء مقطوع من اجزاء وبالتالي يكون خالي من السعادة والفخر وبالتالي خالي من الانجاز الذي يعتبر من اهم ما ينقصنا في هذه الايام، ايه والله ينقصنا الانجاز
    بارك الله فيك دكتورنا الحبيب ومقتطفاتك دائما نافعة
    عبدالرحمن باقيس

  • أخي د/ عبدالرحمن
    شكرا على المداخلة والتعليق وسعيد برؤية اسمك هنا
    تأملت كثيرا في عبارتك (ينقصنا الانجاز) ، وهي حقاً معبرة ، على الرغم من تفاوت تعريف الانجاز بين شخص واخر بل وبين مجتمع واخر ، فالفوز ببطولة الدوري يعتبر انجازأً مهما لدى البعض !! والنشر في دورية علمية عالمية يعتبر تضييع وقت لدى آخرين !! فيا ترى ما هو تعريف الانجاز في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ؟ كلنا في الهم شرق !

  • Faisal

    السلام عليكم
    مدونتك ليست فقط للتذكير ولكنها ايضا هادفة وعلمية ،، تقرأ بعمق وتكتب ببساطة ، ونحن نستفيد ،  أشكرك على هذا الجهد ، وادعو الله لك بالتوفيق الداعم للإستمرار.
    تحياتي لك وللزميلين العزيزين اللذين تشرفت بالتعليق بعدهما.

  • أخي وأستاذي د/ فيصل
    تعليقاتك تثقل الكاهل على الرغم من كونها وساماً أعلقه على الصدر ، فتأمل ما أثقله من وسام!، كل ما في الامر أني عندما أقرأ لبعض نتاج الغرب العلمي وأتأمل واقعنا المرير أندفع لا شعورياً للكتابة للتنفيس ليس إلا ….. عسى الله أن يصلح أحوالنا جميعاً

  • Hatim Natto

    أخي الحبيب سعادة الدكتور/ محمد باحاوي   سلمه الله ورعاه
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    حقيقة اننا نتألم من حالنا في مجال البحث العلمي والأكاديمي. ان بنا مالانشكوه الا لله عزوجل وليس هذا والله من نقص في الخبرات او العقول النيرة مثل سعادتكم (ماشاء الله) او نقص في الامكانيات ولكن أعتقد أن عادات وتقاليد المجتمع وبعض مظاهر الاحباط التي تواجهنا تلعب دوراً هاماً وبارزاً في هذه العملية. اشكر لكم طرحكم للمواضيع القيمة والهامة واسلوبكم الشيق والجميل في طرحكم للموضوع.
    اكرر شكري وتحياتي 

  • اخي العزيز د/ حاتم
    شكرا لمرورك ولطيف تعليقك
    بيننا وبين الدول المتقدمة علميا مسافات شاسعة تحسب بالسنوات الضوئية ، وما أحاوله هنا ما هو الا محاولات للترقيع والتقريع وقرع طبول الانذار لمجتعماتنا العربية والاسلامية التي تغط في سبات عميق ! لا ادري هل ستصحو منه قبل يوم القيامة ام لا !!