الجمعة , 24 مارس 2017
خطة مناعية بديلة للطوارئ!!

خطة مناعية بديلة للطوارئ!!

سيل الدراسات البحثية المتدفق في مجال المناعة الفطرية يثبت يوماً بعد يوم أن هذhomecoverا النوع من الاستجابة المناعية ينطوي على درجة هائلة من التعقيد لم تكن محط الانظار من قبل ، وهذه التدوينة تؤيد هذا المعنى حيث قام فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا بنشر دراسة في دورية Nature Immunology المميزة، عن أحد المسارات البديلة التي تلجأ اليها آليات النظام المناعي البشري في حال تعطل المسارات الاساسية لهذه الاليات.

يتعلق الأمر بجزيئ مناعي شهير وخطير في عمله ، ألا وهو nuclear factor kappa B ويعرف اختصاراً بـ NF-κB ويعتبر هذا الجزيئ من المنظمات الأساسية لعمل الجهاز المناعي وبالذات الآليات المناعية الفطرية Innate Immunity حيث يستقبل الإشارات الدالة على وجود خلل ما أو عدوى جرثومية عن طريق سلسلة معقدة من المستقبلات التي يُنشط بعضها بعضاً حتى تصل الإشارة إلى هذا الجزيئي NF-κB الذي يقوم بدوره بتنشيط الجينات الوراثية المسؤولة عن إنتاج أو تنشيط بروتينات أو جزيئات أو خلايا مناعية تتكفل بدورها بالتعامل مع مصدر الخلل او العدوى والقضاء عليه.

Image Credit: Wikimedia Commons

NF-kB protein
Image Credit: Wikimedia Commons

وهكذا فإنه “يُفترض” أن إيقاف عمل جزيئي NF-κB سوف يوقف بالتالي تنشيط آليات المناعة الفطرية، ويجعل الكائن الحي (حيوان التجارب في هذه الحالة) معرضاً وبشكل كبير للإصابة بالجراثيم المختلفة، وهذا هو الافتراض الذي قامت عليه فكرة الدراسة التي أعدها الفريق البحثي، لكن النتائج كانت غير متوقعة إطلاقاً !!
حيث قام فريق الدراسة باستخدام فئران تجارب أزيل منها جزيئي NF-κB وتم تعريضها لعدوى جرثومية في الجلد فأظهرت هذه الحيوانات قدرة على التخلص من هذه الجراثيم بصورة أفضل من فئران التجارب العادية!!

 

ماالذي حدث إذاً….

Image Credit: thecinderellacompany.com

Image Credit: thecinderellacompany.com

إكتشف الباحثون من خلال تجاربهم في هذه الدراسة أن إزالة جزيئي NF-κB من هذه الفئران قد قادها إلى البحث عن خطة مناعية بديلة وذلك من خلال إنتاج جزيئي مناعي آخر هو Interleukin-1 beta أدّى بدوره إلى حث نخاع العظم لهذه الفئران إلى إنتاج مزيد من نوع محدد من خلايا الدم البيضاء ذات القدرة المناعية الفعالة وتدعى هذه الخلايا بـ Neutrophils وهي نوع من خلايا البلعمة التي لها قدرة هائلة على بلع والتهام الاجسام الغريبة والجراثيم المهاجمة حيث تؤدي في النهاية إلى تدمير الجراثيم المهاجمة والتخلص من العدوى.
ويبدو أن هذه الخطة البديلة يعتمدها الجهاز المناعي في حال هجوم بعض أنواع الجراثيم التي تقوم مباشرة بإيقاف عمل جزيئي NF-κB فيتعامل معها جهاز المناعة كحالة طوارئ ليقوم بتشغيل الجزيئي الآخر IL-1β لتنشيط الآليات المناعية لمقاومة الجراثيم.
ولكن الخطة البديلة لا ترقى في معظم الاحيان لأن تكون في كفاءة الخطة الأساسية ! وهذا بالضبط ما حدث مع هذه الفئران منزوعة جزيئي NF-κB، حيث أن إنتاجها المتزايد من الخلايا المناعية من نوع Neutrophils عن طريق التنشيط بواسطة IL-1β قد أدى بعد عدة أسابيع الى إصابة هذه الفئران بحالات التهابات متعددة في عدد من الاعضاء قادت في نهاية المطاف الى موتها!
سبب هذه الالتهابات هو الإثارة المناعية الزائدة عن الحد المطلوب، وهذه النتيجة تحديداً قد نبهت الباحثين المهتمين الى أهمية الخطة الأصلية في تنشيط آليات المناعة الفطرية عن طريق جزيئي NF-κB !

كيف ساهمت هذه الدراسة في تنبيه الباحثين لأهمية عمل الخطة الأصلية؟؟
هناك عدد من الباحثين المهتمين يؤيدون تصنيع مثبطات خاصة لايقاف عمل جزيئي NF-κB كطريقة علاجية مضادة لحالات الالتهابات أو للاورام السرطانية !
لكن هذه الدراسة سلطت الضوء على أن أحد هذه الطرق البديلة قد تقود إلى التهابات متعددة على المدى الطويل كما وضحت آنفاً.

وربما يٌثار سؤال هنا حول امكانية تطوير مثبط لعمل جزيئي IL-1β حتى لا يتجاوز نشاطه الحد المطلوب ؟
لكن تثبيط عمل كلا الجزيئين NF-κB و IL-1β سوف يؤدي فعلاً كما أوضحت الدراسة لترك فئران التجارب لقمة سائغة أمام الجراثيم المختلفة بسبب تعطل كامل آليات المناعة الفطرية.

ويبقى سؤال آخر : ما هي الآلية الجزيئية التي من خلالها يتم إنتاج جزيئي IL-1β في حال إيقاف عمل أو إزالة جزيئي NF-κB ؟

من خلال الدراسة إتضح أن جزيئي IL-1β يعمل في هذه الحالة كعامل نمو Growth Factor وليس كوسيط مناعي فقط ، بمعنى أنه يقوم بوظيفة مزدوجة حيث يقوم بتنشيط انتاج خلايا الدم البيضاء من نوع Neutrophils من نخاع العظم مباشرة، بالإضافة الى وظيفته الاساسية كوسيط مناعي.

وفي الختام فقد لاحظت أنه على الرغم من أن فكرة الدراسة مميزة وقد استمتعت واستفدت كثيراً بقراءة أصل الدراسة بالاضافة إلى الجهد الكبير والواضح في إعداد مثل هذه الدراسة، بالاضافة إلى كونها نُشرت في دورية علمية ذات معامل تأثير Impact Factor هائل يبلغ 26 مما يضع هذه الدورية في المرتبة الثالثة عالميا من بين 128 دورية بحثية معتمدة في مجال علم المناعة في قاعدة بيانات ISI ، إلا أنَّ عدد الدراسات التي أحالت إليها حتى اللحظة هي دراسة واحدة فقط حسب قوقل سكولر ! بعد 6 شهور تقريباً من نشر الدراسة (تاريخ النشر ديسمبر 2010) !
تحديث ( عدد الإحالات بلغ 41 دراسة بعد 4سنوات ونصف من تاريخ النشر)

Michael Karin Image Credit : idibell.com

Michael Karin
Image Credit : idibell.com

طبعاً مثل هذا الوضع في عالم البحث العلمي ليس مستحيلاً لكنه يحدث بمعدل منخفض جداً في حالات النشر في دورية علمية مميزة مثل Nature Immunology، وأظن أن السر خلف عدد الاحالات البحثية Citations المنخفض لهذه الدراسة يكمُن فيما ذُكر في جزء تضارب المصالح المالية Competing financial interests من أن أحد مؤلفي هذه الدراسة Michael Karin له براءات اختراع ذات علاقة بموضوع الدراسة، وأن مؤلفاً آخر  Irving L. Weissman يمتلك أسهماً في شركة ذات علاقة بتصنيع هذه المثبطات تدعى Amgen كما أنه مؤسس مشارك في شركة أخرى تدعى Cellerant Therapeutics ! (تخيلتم الوضع ! قارنوه بما لدينا في بلداننا العربية ! هل تتوقعون مثل هذه الشفافية في البحث العلمي !)

Irving L. Weissman Image Credit: aacr.org

Irving L. Weissman
Image Credit: aacr.org

مثل هذا النوع من تضارب المصالح يقود الباحثين الاخرين إلى التردد في أو حتى الإحجام عن الإحالة إلى مثل هذه الدراسات، وينسحب الامر كذلك – ولكن ليس بالضرورة – إلى التأثير على مصداقية الدراسة، لكن أثر تضارب المصالح هذا لا ينبغي أن يثير الشكوك تلقائياً في الإنتاج العلمي الكامل للمؤلفين الباحثين المشاركين في إعداد هذه الدراسة، لكن الإشارة إليه بوضوح هو مما تقتضيه الأمانة العلمية على الرغم من إحتمال تأثر قيمة الدراسة بهذه الاشارة كما هو الحال هنا، مع التنبيه أن دورية بحجم Nature Immunology من المفترض أن يكون لها سياسة نشر قاسية جداً لا تمرر بعد التمحيص والتنقيب إلا ما يستحق النشر فعلاً وقد تصل نسبة الفلترة ورفض الدراسات المقدمة للنشر في مثل هذه الدوريات الى اكثر من 70% من البحوث المقدمة للنشر فيها،
حَسْبُ القارئ الكريم أن يعلم أن الجهود الجماعية العلمية التي بُذلت لنشر هذه الدراسة على سبيل المثال ضمت قائمة بـ 14 مؤلفاً من أربع جامعات يمثلون ثلاث دول هي تايوان والولايات المتحدة وألمانيا!
فكيف لا تثمر هذه الجهود الكبيرة في نشر علمي مميز !!

هل نقلب المواجع ونقارن بوضع الدراسات التي تنشرها الجامعات العربية والاسلامية ؟

أرجو أخيراً أن يخرج القارئ الكريم بفائدة ، بعد أن نقلت لكم هذه التدوينة بتصرف من الرابط http://bit.ly/kEKyJC

دمتم بخير.

  • asmaa

    أشكرك اخي الكريم على المعلومة المبسطة  التي قل ماأجد لها مثيلا .. فرغم شغفي بمعرفة مايستجد خصوصا في هذا الجانب ( المناعه ) الا اني اعجز عن فهم مايطرح إما لتعقيد الكتابات العلمية او لرداءة الترجمة .. اشكرك مرة اخرى واتمنى لك التوفيق

  • الاخت الكريمة أسماء
    شكرا على المرور وأسأل الله أن ينفعنا جميعا بما نقرأ ونتعلم