الخميس , 27 أبريل 2017
إذا حسناتي اللاتي أدل بها، صارت ذنوبي ! فقل لي كيف أعتذر ؟

إذا حسناتي اللاتي أدل بها، صارت ذنوبي ! فقل لي كيف أعتذر ؟

عندما قرأت ملخص هذه الدراسة البحثية المنشورة في دورية Science الشهيرة، تذكرت بيت الشعر الذي عنونت به هذه التدوينة.

إذ أنه يمثل لسان حال الجراثيم التي تسكن جسم أحدنا وهو يتوجس من غدرها خيفة مع أنها كانت أولى منه بغير هذا الشك وأجدر بسوى تلك الريبة ! كما يثبت ذلك توالي الدراسات الحديثة التي أظهرت دورها الاساسي في الحفاظ على الجهاز المناعي متيقظاً للدخلاء مع مشاركتها التكاملية في تعزيز دور الجهاز المناعي وتحفيز آلياته المختلفة.

على عجالة أنبه القارئ الكريم أولاً للحقيقة العلمية التي تشير إلى أن جسم الانسان يحمل بين جنباته انواعاً مختلفة من الجراثيم أغلبها من الانواع البكتيرية التي تتعايش سلمياً مع أجسامنا وتستفيد منها في مقابل تقديم الكثير من الخدمات الجليلة التي لا يمكن للجسم القيام بها بمفرده ولا يمكن أن يقوم مقام هذه الجراثيم أحد سواها ! العجيب أن أعداد هذه الجراثيم في جسم الانسان يفوق عدد خلايا جسم الانسان نفسه بعشرة أضعاف !

وما زالت الاكتشافات تتوالى لايضاح الادوار المتعددة والمعقدة التي تقوم بها هذه الجراثيم المتعايشة سلميا لخدمة اجهزة الجسم المختلفة، والدراسة التي بين يدي هذه التدوينة تسلط الضوء على علاقة هذه الجراثيم بالجهاز المناعي وآلياته المختلفة.

قام بهذه الدراسة 17 باحثاً من 8 جامعات و معاهد علمية يابانية وامريكية !! هل تخيلتم !

أحب أن أشير من وقت الى اخر الى عدد الباحثين المشاركين وكذا المؤسسات التعليمية المشاركة في النشر العلمي للدلالة على مستوى التعاون المطلوب في البحث العلمي، وإن كانت الدول المتقدمة علمياً ترسخ هذا النوع من التعاون فإنه أولى بدولنا التي تحبو في مجال البحث العلمي أن تكون أشد حرصاً على تعزيز هذا النوع من التعاون البحثي ليس فقط لضمان النشر العلمي الرصين في الدوريات البجثية المميزة، بل من أجل بناء بيئة بحث علمي حقيقية لا مكان فيها “للعنتريات العلمية” التي تزعم أن بإمكانها التصدي للانفجار المعرفي الهائل في شتى حقول العلم بالنشر الفردي ! .

كان هذا استطراداً …

حسناً…..

مع كل هذا الجهد الهائل من هؤلاء الباحثين ومن ورائهم مؤسساتهم العلمية فإن الدراسة قبلت بعد شهرين من تقديمها لاول مرة !

وهذا استطراد آخر …..

المعذرة.

اتفقنا على ان هذه الدراسة هي واحدة ضمن العديد من الدراسات التي تؤكد يوماً بعد يوم دور هذه الجراثيم المتعايشة سلمياً في تنظيم عمل الجهاز المناعي، وكيف أن الانسان مع دقة خلقه وبراعة صنعه، مخلوق ضعيف جداً !
نعم … ضعيف لدرجة أنه يحتاج الى معونة هذه الجراثيم التي لا تُرى بالعين المجردة لتساعده في اكثر من جانب !
وصدق الله ومن اصدق من الله قيلا ، حين يقول عز من قائل (وخلق الانسان ضعيفا) !
الله اكبر …. الانسان ضعيف لدرجة احتياجه لمن هو أضعف منه ليساعده في تنظيم عمل الجهاز المناعي !

هذا الاثر الايجابي التي تقوم به هذه الجراثيم يفتح باباً للتفكير في ممارسات علاجية باستخدام هذه الجراثيم لعلاج العديد من الاعراض المرضية المتعلقة بالجهاز المناعي مثل الحساسية وامراض المناعة الذاتية.

ونتائج هذه الدراسة كما يقول أحد من علقوا عليها وهو الدكتور Paul Forsythe لا تشير فقط الى الكيفية التي من خلالها تتمكن جرثومة ما بإثارة آلية متخصصة في الجهاز المناعي، بل تشير أيضاً إلى أن هذه العلاقة مرتبطة بمواقع معينة ومحددة وتختلف حسب تغير مكان تواجد هذه الجرثومة!

الفكرة العلمية وراء هذه الدراسة أتت من نتائج دراسات سابقة عززت بل وأكدت التصور العلمي عن دور انواع من البكتيريا الخيطية Filamentous Bacteria التي تتواجد في منطقة الامعاء في تحفيز انتاج نوع معين من الخلايا المناعية بالغة الاهمية في مقاومة البكتيريا الممرضة ويطلق على هذه الخلايا مصطلح الخلايا التائية المساعدة T helper cell 17 .
لكن التحفيز المستمر من هذه البكتيريا لانتاج هذا النوع من الخلايا المناعية قد يؤدي إلى أن تتحول هذه الخلايا المناعية في لحظة ما الى مهاجمة خلايا جسم الانسان نفسه !
فما هي الالية التي يمكن أن تُنظِّم هذا العلاقة الايجابية بين وجود الجراثيم والتحفيز المعقول لإنتاج نوعية معينة من الخلايا المناعية من دون ان يزيد هذا التحفير عن الحد المقبول ؟
طبعاً الاجابة على هذا السؤال يعرفها المناعيون ويبادرون بالاشارة الى ضرورة تواجد نوع اخر من الخلايا المناعية المنظمة والتي يطلق عليها T regulatory cell وظيفتها تثبيط النشاط الزائد لخلايا T helper cell 17 بحيث لا تتيح لها مهاجمة خلايا جسم الانسان نفسه.

ما الذي اضافته الدراسة اذاً ؟ طالما أن الاجابة على هذا السؤال معروفة لدى الباحثين !

حسناً ….

الدراسة التي بين أيدينا كانت مهمتها الاساسية الاجابة عن تساؤل حول ما إذا كان هناك نوع اخر من الجراثيم يشجع انتاج هذه الخلايا المناعية المنظمة لآليات الاستجابة المناعية مثلما هو حال البكتيريا الخيطية التي تشجع انتاج الخلايا المناعية المساعدة ؟

ماذا فعل هذا الفريق البحثي للاجابة على هذا التساؤل ؟

أحضر الفريق نوعان من فئران التجارب، الأول هو النوع المعتاد من هذه الفئران، والثاني فئران خالية تماماً من أية جراثيم متعايشة سلمياً Normal Flora ، وعندما قارنوا بين النوعين لم يجدوا كبير اختلاف بينهما وخاصة في منطقة الامعاء الدقيقة ، لكن الاختلاف كان في منطقة القولون حيث احتوى النوع الثاني على اعداد أقل من الخلايا المناعية المنظمة T regulatory cells وهو الامر الذي يشير الى ارتباط قلة اعداد هذه الخلايا بخلو هذه الفئران من الجراثيم من الاساس.

ومع تطور مراحل هذه الدراسة، حصر الفريق البحثي نوعية الجراثيم المتوقع أنها تعمل على زيادة انتاج الخلايا المناعية T regulatory cells من الانواع البكتيرية المحتوية على حويصلات Spores من النوع المسمى Clostridia وهي أنواع بكتيرية تتواجد بكثافة في منطقة القولون.
وعندما تم إدخال هذه الانواع البكتيرية الى الفئران الخالية تماماً من الجراثيم ، زاد معدل انتاج الخلايا المناعية T regulatory cells في منطقة القولون بصورة ملحوظة ، لكن أعدادها في منطقة الامعاء لم تتغير ! وهذا قاد الفريق البحثي الى الاستنتاج أن أثر هذه الجراثيم في زيادة انتاج خلايا T regulatory cells يرتبط بمنطقة القولون فقط !

نتائج هذه الدراسة لو تم التأكد من حدوثها في الانسان كذلك، فإنه من الممكن أن يكون لها تطبيقات علاجية عبر التلاعب بنسب الانواع الجرثومية في القناة الهضمية.
فمثلاً من المعروف أن مرضى حالة الالتهاب المزمن للجهاز الهضمي المعروف بـ Inflammatory Bowel Disease-IBD تحتوي مناطق القولون لديهم على أعداد أقل كثافة من بكتيريا Clostridia مما يوحي نظرياً بدور هذه الانواع الجرثومية في تنظيم حالة الالتهاب المناعي من مثل هذه الحالات.

بل يشير باحث آخر هو Liam O’Mahony الى أن أعداد الخلايا المناعية من نوع T regulatory cells له إرتباط بحالات الحساسية والربو والعديد من الامراض المزمنة، مما يعطي إنطباعاً بالدور المحتمل لمثل هذا النوع من الجراثيم وأهمية توازن أعدادها مع غيرها من الجراثيم لتنشيط أو تثبيط انتاج خلايا مناعية معينة وللمحافظة بالتالي على مستوى معين من التوازن المناعي.

هل أدركتم الآن بعضاً من دور هذه المخلوقات الدقيقة الحجم العظيمة الاثر ؟

والاهم من هذا …. ماذا عن نظرتكم السابقة عن هذه المخلوقات ؟ هل تغيرت ؟

ولو تغيرت هذه النظرة ! هل لي أن أسأل من في ظنكم في حاجة الى الاعتذار الآن ؟

أترككم في تعايش سلمي طويل الامد مع جراثيمكم القابعة في قنواتكم الهضمية 🙂

ترجمت معظم هذه التدوينة بتصرف من هنا New gut bacteria regulate immunity ، ما عدا الاستطرادات طبعاً !

Source of images

The first: By thatmushroom

The Second: By The Abramson Lab @ http://bit.ly/eivMEr

The Third: By AJC1

Enhanced by Zemanta
  • Alswidi

    الحمد لله على نعمة العافية والمعافاة _ وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها – اعجبني البحث والناقل المترجم وهو باحث ذلك أن من أراد أن يتميز في هذه الحياة لا بد أن يبذل 50% من وقته في بحث الجديد في تخصصه ولا بد من حضور مؤتمر سنويا في تخصصه ولا بد من قراءة دوريتين في تخصصه ولا بد أن يتتبع أحد العلماء البارزين في تخصصه من خلال كتبه أو ابحاثه وهكذا
    أشكرك أخي د محمد أبا عبدالله وارجو جازما لك التوفيق وأن تكون لك بصمة علمية في تخصصك
    محبك أبومصعب

  • This is an interesting article.
    Today, I know how -really- good Normal Flora ( commensals) useful . AL hamdolillah, I think I have alot of them .

    I wish all success to you and more interesting research .!

    Omar Batouk

  • This is an interesting article.
    Today, I know how -really- good Normal Flora ( commensals) useful . AL hamdolillah, I think I have alot of them .

    I wish all success to you and more interesting research .!

  • admin

    أخي العزيز أبو مصعب

    شكرا لمرورك ولطيف تعليقك ، أسأل الله أن ينفع بي وبك، ويوفقني وأياك لما يحب ويرضى.

    محمد

  • admin

    Dr Omar

    sure you have a lot! no doubt about it ! and thanks very much for your wishes. I always look for more intresting research !

  • أخي العزيز أبو مصعب شكرا لمرورك ولطيف تعليقك ، أسأل الله أن ينفع بي وبك، ويوفقني وأياك لما يحب ويرضى.

  • أخي العزيز أبو مصعب شكرا لمرورك ولطيف تعليقك ، أسأل الله أن ينفع بي وبك، ويوفقني وأياك لما يحب ويرضى. محمد

  • Dr Omar

    sure you have a lot! no doubt about it ! and thanks very much for your wishes. I always look for more intresting research

  • Pingback: لــــغـــــة ….. جرثومية! « باحث()

  • Pingback: لــــغـــة … جــرثـــومـــيــــة !! « باحث()