الجمعة , 24 مارس 2017
ألم تبدأ التدوين بعد ؟ (1)

ألم تبدأ التدوين بعد ؟ (1)

20080408_eisen_jonathan_09هذه التدوينة ترجمت معظم ما جاء فيها بتصرف من مقالة بعنوان  ? You Arent Blogging Yet يتحدث فيها كاتبها عن أحد المدونين الكبار و العلماء المتخصصين في علم الوراثة الجرثومية Jonathan Eisen ومدونته المميزة “شجرة الحياةThe tree of life وكيف أنه أحد الباحثين المميزين على مستوى العالم و وابحاثه المنشورة تجدها في أشهر المجلات العلمية مثل Science و Nature و يقدر عدد الدراسات العلمية التي تحيل الى ابحاثه المنشورة بالالاف ! وكيف أنه ساهم بفاعلية في اكمال الشفرة الوراثية لجراثيم مثل طفيل الملاريا، وهكذا فإنه اعتماداً على انجازه العلمي في مجاله التخصص فإنه يؤدي بصورة اكثر من مميزة، لكن هذا التميز لم يمنعه ..! أو بصورة أدق دفعه الى أن يجرب شيئاً جديداً ..وبالفعل فقد بدأ Jonathan Eisen مدونته الخاصة في أوائل سنة 2005 وهو يدون فيها بشكل منتظم ومتميز أيضاً حتى الوقت الحاضر .. هذا التميز الجديد هيأ له فرصة منحة بحثية من نوع مختلف ! حينما اتصل به القائمون على مؤسسة The Alfred P. Sloan Foundation الخيرية، بسبب تميزه على المستويين البحثي والتدويني كما اشار الى ذلك ، يطلبون منه كتابة مقترح للحصول على منحة بحثية لابتكار مجتمع يستخدم الادوات البحثية بصورة افتراضية على الشنكبوتية ويساعد في رعاية جهود المتخصصين في الاحياء الجزيئية الجرثومية وتطويرها… وبالفعل كتب Jonathan Eisen المقترح وفاز بمنحة بحثية من هذه المؤسسة قيمتها 1,3 مليون دولار امريكي لتحقيق هذا الغرض.

صحيح أن التدوين يضيف عبئاً إضافياً الى جملة اعبائك ! لأنك تنشأ موقعاً وتبدأ بالاختيار المنطقي للمواضيع التي سوف تطرقها بعناية ، والاهم ان تمتلك نفساً طويلاً يتيح لك الاستمرار في التدوين ، هذه هي الحدود الدنيا التي سوف تضيف اليك ما يقودك للتميز حتماً لو حددت هدفك او اهدافك  من التدوين مسبقاً.

حسناً .. ماالذي سوف يضيفه لك التدوين ؟Massimo-outdoor

الاتصال بالآخرين:

التدوين يشبه تماما امتلاكك لمنصة مؤتمر علمي كمتحدث رئيسي، الفرق ان جمهورك سوف يكون عالمياً بمعنى انه موزع على امتداد العالم كلما اطلع قارئ على تدويناتك.. وفي هذا الصدد يقول أحد الباحثين سابقاً والمدون حالياً Massimo Pigliucci صاحب مدونة Rationally Speaking : أن التدوين قاده الى الاتفاق مع احد المعلقين على احدى تدويناته الى كتابة دراسة بحثية مشتركة تطورت لتصبح كتاباً شاركا في تأليفه.

Vincent R. Racanielloومثال اخر يقدمه استاذ علم الفيروسات البروفيسور Vincent R. Racaniello صاحب مدونة  Virology Blog حيث يشير الى انه كان يتطلع دوماً الى طريقة تضمن له تدريس مقرر علم الفيروسات على نطاق اوسع من حدود قاعة المحاضرات التي تضم 20 طالباً فقط ! وحدث في سنة 2004 أن وقع اختياره على التدوين كطريقة لتحقيق هذا الهدف لانها كما يقول طريقة سريعة للنشر وسهلة لانها لا تتطلب الكثير من المعرفة التقنية ، كما انها لا تكلف المدون شيئا في اغلب الاحيان، أول تدوينة له كانت بعنوان: هل الفيروسات كائنات حية ؟ ومرت شهور قبل أن يظهر أول تعليق على هذه التدوينة! لكنه واصل التدوين متخيلاً أنه يقوم بتدريس العالم مبادئ علم الفيروسات!… اليوم يبلغ متوسط قراء مدونته 1500 زائر يومياً ، ووصل العدد في بعض الاوقات الى 10000 زائر ، مثلما حدث حينما أُطلق لقاح انفلونزا الخنازير ، خلال سنة 2009 بلغ عدد قراء مدونته نصف مليون شخص من 214 دولة ! وهو يشير الى هذا بقوله: وهذا يعني اني قد وصلت الى جمهور من القراء والمهتمين لم اكن استطيع الوصول اليه طوال حياتي المهنية! … والاحصائيات اعلاه مفاجأة لاننا نتحدث عن موضوع محدد ومتخصص جداً ومن المنطقي ان لا يشغل بال قطاع كبير من المتصفحين للشنكبوتية ! لكن البساطة في الطرح هي مفتاح النجاح وعامل التأثير الاهم في عالم التدوين، ويلفت Vincent R. Racaniello النظر الى الاحصائيات التي تعبر عن حال المتصفحين والقراء في الواقع الافتراضي على الشبكة حيث أنه من المعروف ان 90% من قراء الانترنت هم من الفئة الصامتة المتخفية ! و 9% يشاركون بشكل قليل او متقطع و 1% فقط يشاركون ويعلقون بشكل منتظم !

توليد الافكار:

وهذا كان أحد أهداف Jonathan Eisen من التدوين، حيث يتذكر في هذا الصدد مواجهتهم لمشكلة استعصت عليه وعلى فريقه البحثي فما كان منه الا ان طرح المشكلة في احدى تدويناته على شكل سؤال .. ليفاجأ شخصياً أن المشكلة يعاني منها الكثير من نظرائهم على مستوى العالم ومن خلال 60 تعليقاً على هذه التدوينة خلال اسبوع واحد استقى العديد من الافكار المميزة التي لم يكن الحصول عليها خلال سنة كاملة من العمل الدؤوب ممكناً ..!

التغيير المؤثر ..!

تأثير المدونات على الاحداث أصبح من “المسلّمات” الاعلامية في الكثير من دول العالم، بل ويتعدى تأثيرها في بعض الاحيان وسائل الاprof_david_colquhounعلام التقليدية ! ويوضح David Colquhoun البروفيسور في علم الصيدلانيات في جامعة UCL البريطانية الشهيرة ، وصاحب مدونة Improbable Science المراد بتأثير المدونات في الاحداث بما حصل معه شخصياً عندما نذر نفسه للتدوين عن أحد حقول الطب البديل والدرجات العلمية التي تمنح للمتخصصين في هذا الحقل المسمى بالمعالجة المثلية ! Hemopathy والذي يعرفه David Colquhoun تعريفاً تهكمياً بالقول: أنه اسلوب اعطاء المريض علاجاً لا يمت بصلة للادوية العلاجية ! وبالفعل شن حرباً شعواء على هذا الاسلوب العلاجي ووصفه بالشعوذة في سلسلة من التدوينات! مما قاد في النهاية الى الغاء عدة برامج دراسية في عدة جامعات بريطانية كانت تدرس هذا التخصص ! ( ارجو ان يلاحظ القارئ الكريم هنا ان هذا المثال يتحدث عن اثر التدوين وليس عن تقييم البرامج الدراسية في حقول الطب البديل!)، ويشير David Colquhoun الى هذا الاثر بقوله : قبل 10 او 15 سنة كنت تكتب رسالة الى جريدة لتعبر فيها عن رأيك تجاه قضية مماثلة ولا يضمن لك احد انها سوف تجد طريقها للنشر ! لكنه بامكانك اليوم ان تجلس امام التليفزيون وتدون عن قضية ليقرأ لك العالم كله في نفس اللحظة! بالنسبة لي التدوين انقاذ للديموقراطية!.

الترويج للذات !

P.Z. Myersوفي الحقيقة فإن الترويج للذات من اهم الفوائد التي يجنيها المدون من التدوين ، ويبرز استاذ علم الاحياء البروفيسور P.Z. Myers كمثال جيد للدلالة على هذا الامر، اذ ان الفضل في شهرته الكبيرة يعود الى مدونته الشهيرة pharyngula والتي يدون فيها باستمرار عن دراساته او دراسات طلابه المنشورة هنا وهناك، ويعتبر هذا الاسلوب في الترويج لفريقه البحثي واشهار ما يقومون به من دراسات بحثية من واجباته كرئيس لهذا الفريق.

الحصول على عمل !

Bora Zivkovicفي سنة 2006 وفي عطلة نهاية الاسبوع ، نشر Bora Zivkovic في مدونته المشهورة A Blog Around the Clock تدوينة بعنوان : أنا أريد هذه الوظيفة ! ونشر فيها اعلانا لوظيفة مدير لمجتمع افتراضي يهتم بالتدوين قي PLoS الرائدة في النشر العلمي المجاني، وطرح للقراء سؤالاً حول كيف يمكن له ان يحصل على هذه الوظيفة ؟ لتتوالى تعليقات القراء المشجعة والمؤيدة، بل إن بعضهم راسل مؤسسة PLoS يخبرهم انهم “مجانين” ان لم يختاروني لشغل هذه الوظيفة ! ، ومع صباح الاثنين ! وجد Bora Zivkovi في ايميله رسالة من هيئة تحرير PLoS يسألونه فيها: ما إذا يمكنهم اعتبار تدوينته عن الوظيفة طلباً رسمياً منه لشغلها ؟ وخلال اسبوع حصل Bora Zivkovi على هذه الوظيفة وكان مما ذكرته له هيئة التحرير في PLoS ان قرائه هم في الحقيقة من منحوه هذه الوظيفة ! وأن الامر أظهر لهم انه استطاع ان يكون له مجتمعا افتراضياً وسوف يكون مؤهلاً لتكوين مجتمع افتراضي مماثل… يكفي ان تعرف ان زوار مدونة A Blog Around the Clock سوف يصل عددهم قريباً الى ثلاثة ملايين زائر منذ افتتاحها سنة 2006 !

تحقيق متطلبات الوظيفة !

في بعض الحالات – ليس من ضمنها الحالة العربية او الاسلامية بالطبع ! – تتطلب وظائف مؤسسات التعليم العالي والجامعات ان يستطيع الاستاذ الجامعي مثلا ان يتواصل مع المجتمع علمياً بما يؤدي الى نشر الوعي العلمي البحثي وتبسيطه للمتلقين من خارج اسوار هذه المؤسسات ، والتدوين وسيلة متاحة وبسهولة لتحقيق جزء كبير من هذا الهدف

انتهى الجزء الاول من هذه التدوينة وسوف ألحق بها أختها 🙂 قريباً ان شاء الله

دمتم بخير …